رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

الردع قبل الحرب

في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم اضطرابًا حيث تتشابك الصراعات وتتغير التحالفات وتتزايد التحديات الأمنية بصورة غير مسبوقة يبرز سؤال يتردد كثيرًا داخل مصر وخارجها:

هل تمتلك الدولة المصرية من القوة ما يكفل حماية أمنها القومي وسط هذا المشهد شديد التعقيد؟

الإجابة لا ينبغي أن تُبنى على الانطباعات أو الخطابات العاطفية بل على قراءة هادئة للواقع وتحليل لما شهدته القوات المسلحة المصرية خلال العقد الأخير من تطوير غير مسبوق في العقيدة والتسليح والجاهزية والقدرة على إدارة التهديدات الحديثة.

قد تختلف المواقف السياسية وتتباين الآراء حول العديد من الملفات الداخلية لكن يظل الأمن القومي المصري أحد الثوابت التي تتجاوز كل الخلافات لأن قوة الدولة ليست امتيازًا وإنما شرط أساسي لاستقرارها وحماية شعبها وحدودها.

منذ تأسيسها ارتكزت العقيدة العسكرية المصرية على الدفاع عن الوطن وصون السيادة الوطنية فلم يكن الجيش المصري عبر تاريخه جيش احتلال أو توسع وإنما مؤسسة وطنية هدفها حماية الأرض وتأمين الحدود والحفاظ على مقدرات الدولة ومنع أي تهديد قد يمس أمنها القومي.

وخلال السنوات العشر الماضية اتجهت الدولة إلى تنفيذ برنامج واسع لتطوير القوات المسلحة لم يقتصر على تحديث المعدات العسكرية بل شمل بناء منظومة متكاملة تعتمد على التخطيط الاستراتيجي ورفع كفاءة العنصر البشري وتطوير منظومات القيادة والسيطرة والاستثمار في التكنولوجيا العسكرية الحديثة.

وقد شمل هذا التطوير مختلف الأفرع الرئيسية من القوات البرية إلى القوات الجوية مرورًا بالقوات البحرية ووصولًا إلى منظومة الدفاع الجوي التي تحظى بتقدير واسع لقدراتها في مواجهة مختلف التهديدات الجوية الحديثة.

لكن القيمة الحقيقية لهذا التطوير لا تكمن في حجم السلاح أو تنوعه فقط وإنما في فلسفة الردع الاستراتيجي التي أصبحت أحد أهم ركائز السياسة الدفاعية المصرية.

فالردع لا يعني السعي إلى الحرب بل امتلاك القوة التي تجعل الحرب خيارًا بالغ الكلفة بالنسبة لأي طرف يفكر في تهديد الدولة المصرية. فكلما ازدادت القدرة العسكرية توازنًا وكفاءة تراجعت احتمالات الصدام لأن الخصوم يدركون مسبقًا حجم الثمن الذي قد يدفعونه.

ولهذا فإن الدول القوية لا تقاس بعدد الحروب التي تخوضها وإنما بقدرتها على منع تلك الحروب قبل أن تبدأ.

وفي إطار هذه الرؤية اتخذت مصر قرارًا استراتيجيًا بتنويع مصادر التسليح بما يضمن استقلالية القرار العسكري ويمنح القوات المسلحة مرونة أكبر في امتلاك أحدث المنظومات من مدارس عسكرية مختلفة دون الاعتماد على مصدر واحد قد يفرض اعتبارات سياسية أو استراتيجية.

كما أولت اهتمامًا كبيرًا بالتدريب المستمر وتنفيذ المناورات المشتركة مع عدد من كبرى الجيوش حول العالم وهو ما ساهم في تبادل الخبرات ورفع الكفاءة القتالية وتعزيز القدرة على التعامل مع مختلف السيناريوهات والتهديدات التقليدية وغير التقليدية.

ولأن طبيعة الحروب تغيرت فقد أصبح تطوير القدرات العسكرية يتجاوز حدود الدبابات والطائرات والسفن ليشمل الأمن السيبران والحرب الإلكترونية والطائرات غير المأهولة وإدارة المعلومات والقيادة الرقمية وهي المجالات التي أصبحت عنصرًا رئيسيًا في بناء القوة العسكرية الحديثة.

وفي الوقت نفسه أثبتت التجربة المصرية أن امتلاك القوة لا يتعارض مع السعي إلى السلام بل يدعمه. فالدولة المصرية تبنت على مدار السنوات الماضية سياسة تقوم على تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية كلما أمكن مع الحفاظ على جاهزية عسكرية كاملة لحماية مصالحها إذا اقتضت الضرورة.

ويرى كثير من المتابعين أن نجاح الدولة في مواجهة التنظيمات الإرهابية في سيناء وتعزيز أمن حدودها والتعامل مع عدد من الملفات الإقليمية المعقدة يعكس أهمية امتلاك مؤسسة عسكرية قوية قادرة على حماية الدولة وسط بيئة إقليمية شديدة التقلب.

ويأتي افتتاح الأوكتاجون: المقر الجديد لقيادة القوات المسلحة المصرية ليجسد مرحلة جديدة من التطوير المؤسسي ويعكس رؤية تعتمد على أحدث نظم القيادة والسيطرة والتنسيق بين مختلف الأفرع بما يتواكب مع متطلبات الحروب الحديثة وإدارة الأزمات بكفاءة وسرعة.

بناء القوة لم يكن هدفًا في حد ذاته وإنما وسيلة لحماية السلام والحفاظ على الدولة وصون القرار الوطني المستقل. فالتاريخ يؤكد أن الدول التي تمتلك قوة متوازنة هي الأقدر على حماية مصالحها والأكثر قدرة على تجنب الحروب وفرض الاستقرار.

وفي عالم لا يحترم إلا الدول القادرة على حماية نفسها تبقى قوة الجيش المصري إحدى الركائز الأساسية للدولة المصرية ليس لأنها تبحث عن مواجهة بل لأنها تؤمن بأن السلام الحقيقي يحتاج دائمًا إلى قوة تحميه وإرادة تحفظه وشعب يقف خلف مؤسساته الوطنية بكل ثقة وفخر.
كاتب المقال
المتحدث الرسمي لرئيس حزب الوفد