أوراق مسافرة
مجموعة من البشر تم وضعهم منذ طفولتهم داخل كهف مظلم تحت الأرض، سجناء مقيدين بالسلاسل بطريقة تجعلهم ينظرون فقط إلى حائط أمامى ولا يستطيعون الالتفات إلى أى جانب آخر من محيطهم بالكهف، خلفهم تلك المجموعة التى تتحكم بهم من خلال الظلال والأوهام ليشكلوا لهم عالماً مقيداً محدداً من خلال نيران مشتعلة، وبين النار والسجناء يوجد طريق مرتفع يتحرك عليه هؤلاء الأشخاص المتحكمون وهم يحملون تماثيلاً وأشكالاً مختلفة، يؤدى ضوء النار إلى انعكاس ظلال هذه التماثيل على الحائط المواجه للسجناء، ولأن السجناء لم يروا شيئاً طوال حياتهم سوى هذه الظلال، فإنهم يعتقدون أن هذه الظلال للتماثيل وللمتحكمين بهم هى الحقيقة المطلة، هى مكونات العالم بل الحياة، ويرضخون لهذا تماماً دون إعمال العقل أو إيقاظ الوعى بداخلهم لرفض هذا وفرض تصورات أخرى مختلفة.
فجأة يقرر أحد السجناء التحرر من قيوده فى غفلة من المتحكمين بهم، يصعد إلى خارج الكهف، يصدمه فى البداية ضوء جديد لم يره من قبل، ضوء الشمس الساطع، يؤلمه الضوء ويصيبه بحالة من الارتباك لأنه اعتاد على الظلام، لكن مع مرور الوقت تعتاد عيناه على النور ليرى الأشياء الحقيقية والطبيعة فى الحياة الجديدة حوله، يسترد الوعى، يدرك أخيراً أن الظلال التى كان يشاهدها فى الكهف لم تكن سوى انعكاسات مزيفة لواقع حاول المتحكمون بهم فرضه عليهم.
ولأن الوعى الذى استرده لا يجعله أنانياً ليكتفى لنفسه بالفوز بهذه الحياة الواقعية فى النور ويترك رفاقه تحت عبودية الفكر والظلال المفروضة عليهم مع كونها واقعاً عبثياً يقرر العودة إلى الكهف لإنقاذ رفاقه وإخبارهم بالحقيقة، لكن عندما يعود، تكون عيناه قد اعتادتا النور ويجد صعوبة فى الرؤية فى الظلام، رغم ذلك يغالب حالة الصراع بين الضوء الجديد الملهم لحياة حقيقية والظلام المشوه بواقع مصنوع وموجه يفرضه المتحكمون ليقبله المساجين دون خيار آخر، يحاول إخبار باقى السجناء بالحقيقة، لكنهم يرفضون تصديقه ويسخرون منه، ويحاولون قتله لاعتقادهم أن النور قد أفسد عقله، لقد حاولوا قتل الرمز، الوعى، لاعتقادهم أنهم دون هذا الوعى أفضل، يأكلون، يشربون، ينامون، يقبلون بالصور المفروضة عليهم، ويحبون تصديقها، ولا شىء آخر معتقدين أن اللا وعى هو الأمان.
هذا هو مضمون القصة الفلسفية «الكهف» لأفلاطون أو «إريستوفليس» الفيلسوف اليونانى وكتبها قبل الميلاد بنحو 335 سنة ولم تُزل القصة بشكل أو آخر حتى عصرنا الحالى وقد ضمنها فى كتابه «الجمهورية» الذى ناقش فيه مفهوم العدالة والدولة المثالية.
بالطبع السجناء هم رمزيته لعامة الناس الذين يعتمدون على حواسهم المحدودة لفهم العالم، ويعتبرون أن ما يرونه ويسمعونه هو الحقيقة الوحيدة ويرتاحون لهذا التصور، الظلال رمز المعرفة الحسية الزائفة أو الأوهام والمعتقدات الشائعة والمعلومات تساق إلينا موجهة ونتقبلها دون تفكير، خروج السجين من الكهف هو رحلة لمحاولة استعادة الوعى والبحث عن الحقيقة والمعرفة، الشمس هى طريق النور لاستعادة الوعى الغائب.
عودة السجين تتمثل فى هذا الدور أو العبء الملقى على عاتق
المفكرين والمتنورين لإيقاظ المجتمع وتنوير عقولهم، رغم ما قد يواجهون من مقاومة وجهل وعنف المتحكمين والتنكيل بهم، كل ما سبق يفرض علينا سؤالاً جوهرياً، هل من الأفضل لنا أن نعيش على مجرد الظلال الموجهة لعقولنا فى كهفنا الأمن أو الذى نعتقد انه هكذا، أم نعيش بالوعى فى عالم الحقيقة أى كانت ونقاوم بشاعتها ونحاول تغييرها حتى لو كان ثمن الوعى هو الموت أو أى ضرر آخر.
ومن جوهر كهف إفلاطون انطلق، فبعيداً عن كدر حياتنا الخاصة التى باتت تتوزع بين المسئوليات وحسابات النفقات مع مطاردة الأمل فى محاولة يائسة للإمساك به لتحقيق معادلة مستحيلة بين الداخل والصادر، وبعيداً عن تصنيفنا لذاتنا كوننا سعداء أم أشقياء أم نعيش فى المساحة الرمادية بين وبين، أم فقدنا انتماءنا لكل التصنيفات والمساحات وبتنا بلا شغف نمارس طقوس الحياة وكل مفرداتها كـ«روبوت»، مجرد أداء حسن للواجبات، لا قلب يتفاعل ولا روح تشتعل، موتى أحياء، جثث تتحرك.
بعيداً عن كل هذه الجدلية الحياتية التى تبدو عقيمة، مؤكد أننا نتجرد كثيراً، أو قل أحياناً من ذاتنا لننظر حولنا بشمولية أوسع، نتجاوز منظورنا الفردى الضيق إلى الصورة الأكبر، نتأمل الأوضاع العامة ومساراتها، سياسياً، اقتصادياً، اجتماعياً، ليس بالضرورة تلك المتمددة على مساحات الوجع فى الوطن، بل فى العالم كله الذى بتنا لا نملك رفاهية الانفصال عنه للعزلة مع أنفسنا فقط.
عدم الانفصال عن العالم ليس نتاجاً للعولمة أو لأننا بتنا فى عالم كالقرية الصغيرة كل ما به معروف وواضح للكل و..و..إلخ، بل لأننا لم نعد نملك القدرة على حماية أنفسنا من تأثيرات وانعكاسات ما يحدث فى البلدان الأخرى، ليس فقط التى تتماس معنا على الحدود بل تلك البعيدة جداً وفى قارات أخرى، ولنا فى الحروب التى تنشأ فى قارات أخرى المثل العملى لهذه التأثيرات.
إن الوعى الذى نتعامل به مع مجريات الأحداث ينجم عنه تضخيم شعورنا بالألم ليتجاوز مقدار آلامنا الشخصية إلى آلام أكبر، هذا الوعى واليقظة الذهنية الدائمة لا يبتلى به الجميع، إذا يعفى منها البسطاء جداً من العامة الذين يأكلون ويشربون ويتناسلون فى هدوء وسلام، غير عابئين بضجيج العالم أو بأى شىء خارج محيط حياتهم، حتى إن جذبتهم ثرثرة بعض الامسيات فى التشدق بسيرة بعض الأحداث التى تسوقها لهم وسائل الإعلام، لكنهم لا ينشغلون بها فى تفاصيل حياتهم اليومية.
يبتلى فقط بهذا الوعى والإدراك العميق والفهم النقدى لمعطيات الحياة والقضايا المحيطة فئات أخرى تتمثل فى المثقفين، المفكرين، الإعلاميين، الناشطين السياسيين، الحقوقيين، الخبراء، الأكاديميين، صناع المحتوى، الشباب والطلاب الأكثر تفاعلاً مع قضايا العصر والتكنولوجيا وفئات أخرى من الشعب، وكل هؤلاء الذين يتوزع بينهم الوعى مفترض أنهم يلعبون أدواراً محورية فى توجيه الرأى العام، بناء القيم، دفع عجلة التطور المجتمع، ولكن...وللحديث بقية
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض