رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

بعد مأساة طالبة أسيوط

استشاري نفسي تكشف ما يدفع بعض طلاب الثانوية للتفكير في الانتحار| خاص

بوابة الوفد الإلكترونية

أعاد رحيل طالبة بالصف الثالث الثانوي في محافظة أسيوط، عقب انتهائها من امتحان الكيمياء، فتح ملف الضغوط النفسية التي يعيشها طلاب الثانوية العامة كل عام، وسط تساؤلات متكررة: هل يمكن لامتحان واحد أن يدفع طالبًا إلى إنهاء حياته؟ وفي محاولة لفهم الأبعاد النفسية وراء مثل هذه الوقائع، أكدت الدكتورة إيمان عبد الله، استشارية الطب النفسي، في تصريح خاص لـ"بوابة الوفد الإلكترونية" أن الامتحان ليس السبب الوحيد، وإنما قد يكون الشرارة الأخيرة لأزمة نفسية تراكمت على مدار فترة طويلة، محذرة من خطورة الضغوط الأسرية والمجتمعية التي تجعل الطالب يربط قيمته الإنسانية بدرجاته.

الامتحان مجرد شرارة.. والأزمة تبدأ قبل دخول اللجن

وقالت الدكتورة إيمان عبد الله إن الامتحان وحده لا يجعل الطالب يفكر في الانتحار، لكنه يعد أحد العوامل التي قد تساهم في ذلك، بينما تتمثل الأسباب الرئيسية في الضغوط النفسية الهائلة التي يتعرض لها طلاب الثانوية العامة قبل الامتحانات وأثناءها وبعدها، نتيجة الخوف من الفشل والقلق الشديد بشأن المستقبل، مشيرة إلى أن المجتمع أصبح يشهد للأسف مثل هذه الوقائع بشكل متكرر كل عام.

الدرجة لا تقيس الذكاء ولا تحدد مستقبل الطالب

وأضافت أن بعض الطلاب قد تراودهم أفكار انتحارية بعد امتحان صعب أو عقب ظهور نتيجة لا ترضيهم أو لا ترضي أسرهم، موضحة أن كثيرًا منهم يعتقدون أن الثانوية العامة هي المرحلة التي يتحدد على أساسها مستقبل الحياة بالكامل، وهو اعتقاد يتغذى على أخبار انتحار الطلاب المتكررة، إضافة إلى الضغوط التي يمارسها الأهل والمجتمع ومواقع التواصل الاجتماعي، حتى يقتنع الطالب بأن قيمته كإنسان أصبحت مرتبطة بالمجموع الذي سيحققه.


النجاح لا يتوقف على كليات القمة.. والدرجات ليست نهاية الحياة

وأكدت أن الدرجة لا تقيس سوى أداء الطالب داخل لجنة الامتحان، لكنها لا تعكس مستوى ذكائه أو شخصيته أو قدرته على النجاح في الحياة، مشيرة إلى أن النجاح الحقيقي لا يتوقف على الالتحاق بما يُعرف بـ«كليات القمة».

وأوضحت أن هناك طلابًا التحقوا بكليات بعيدة عن القمة، لكنهم امتلكوا مهارات اجتماعية وقدرات مهنية متميزة، وحققوا نجاحًا كبيرًا في حياتهم، في المقابل قد يلتحق آخرون بكليات القمة، لكنهم يعانون اضطرابات نفسية أو ضعفًا في مهارات التواصل مع الآخرين، لأن حياتهم انحصرت بالكامل في المذاكرة فقط.

وأشارت إلى أن الإنسان يقوم على ثلاثة أبعاد رئيسية هي: البعد البيولوجي، والبعد السيكولوجي، والبعد الاجتماعي، لافتة إلى أن انغلاق الطالب على الدراسة فقط قد يحرمه من تنمية جوانب مهمة في شخصيته، بما ينعكس عليه مستقبلاً، مؤكدة في الوقت نفسه أن هذه الحالة لا تنطبق على الجميع، فهناك من يستطيع تحقيق التوازن بين الدراسة والحياة، لكن المجموع في النهاية ليس مقياسًا للمستقبل.

وحذرت من خطورة المقارنات بين الأبناء، مؤكدة أن المقارنة تعد من أكثر الأساليب إيلامًا للطالب، لأنها تجعله يشعر بالنقص والغيرة والإجهاد النفسي، كما تدفع بعض الطلاب إلى الخوف من مواجهة أسرهم بعد الامتحانات، حتى يتحول يوم الامتحان بالنسبة لهم إلى ما يشبه "يوم الحساب".

مؤكدةً على أن الطالب يحتاج إلى أن يشعر بأن أسرته تقف بجواره في جميع الظروف، سواء نجح أو تعثر، لأن هذا الإحساس وحده يرفع مستوى الأمان النفسي لديه ويقلل من احتمالات إصابته بالقلق والتوتر والأزمات النفسية.

وكشفت عن عدد من العلامات التحذيرية التي تستوجب تدخلاً عاجلاً من الأسرة، واللجوء إلى طبيب نفسي، ومن بينها تكرار عبارات مثل: "أنا هرتاح من الدنيا"، و"مفيش فايدة"، و"نفسي أموت وأرتاح من الثانوية"، و"أنا انتهيت خلاص"، و"مستقبلي مبقاش له طعم".

وأضافت أن هناك سلوكيات أخرى لا تقل خطورة، مثل الامتناع عن الطعام، والانعزال عن الجميع، والبكاء المستمر، وفقدان الرغبة في ممارسة الأنشطة التي كان الطالب يحبها، واضطرابات النوم، والابتعاد عن الأسرة والأصدقاء، والشعور الدائم بالذنب وكأنه ارتكب خطأً لا يمكن إصلاحه.


لا تسأل ابنك «عملت إيه؟» بعد الامتحان

وعن الطريقة الصحيحة للتعامل مع الطالب بعد خروجه من امتحان صعب، نوهت الدكتورة إيمان عبد الله على ضرورة عدم استقباله بسؤال: "عملت إيه؟"، أو البدء في حساب الدرجات وتوقع المجموع، لأن ذلك يزيد من الضغوط النفسية عليه.

وأكدت أن الأسرة مطالبة باحتضان الطالب وطمأنته، وترديد عبارات داعمة مثل: "أنت أغلى من أي مجموع"، و"أنت ابننا مهما كانت النتيجة"، مع التأكيد له أن حياته لا تتوقف على امتحان أو شهادة، وأن النجاح له طرق كثيرة، فهناك أشخاص التحقوا بكليات بسيطة وحققوا نجاحًا كبيرًا وثروة ومكانة اجتماعية.

كما نصحت بعدم متابعة الأخبار المتداولة أثناء فترة الامتحانات، سواء من الطلاب أو أولياء الأمور، حتى لا تتحول إلى مصدر إضافي للضغط النفسي.

وأكدت أن علم النفس يثبت أنه لا يوجد سبب واحد يدفع الإنسان إلى الانتحار، وإنما يكون الامتحان أو النتيجة مجرد الشرارة التي تفجر أزمة نفسية تراكمت نتيجة ضغوط متعددة، نفسية وأسرية وشخصية وبيئية، تجعل الطالب يشعر بأنه انتهى، وأنه خيب آمال أسرته، وأن المستقبل أصبح مظلمًا.

وأوضحت أن بعض الطلاب يعانون أيضًا من الكمالية المفرطة أو ضعف الدعم النفسي الداخلي، وهو ما يجعلهم أكثر عرضة للانهيار عند التعرض لأي أزمة.

وأضافت أن أخطر ما يتلقاه الطالب هو الرسائل المتكررة التي تربط مستقبله بالكامل بسنة الثانوية العامة، مثل: "مستقبلك كله في السنة دي"، أو "إحنا صرفنا كل اللي معانا علشانك"، مؤكدة أن هذه الرسائل تمثل تهديدًا مباشرًا لهوية الطالب واحترامه لذاته.

وشددت على ضرورة مساعدة الأبناء في تنظيم أوقاتهم، وترك مساحة لهم لممارسة هواياتهم وأنشطتهم المفضلة بجانب المذاكرة، وعدم اختزال حياتهم كلها في الدراسة، لأن الطالب إذا وصل إلى مرحلة اليأس والعجز دون امتلاكه مهارات التعامل مع الضغوط، فقد يصبح أكثر عرضة للدخول في أزمات نفسية متكررة والتفكير في الانتحار مع كل مشكلة يواجهها.

تفاصيل واقعة انتحار طالبة أسيوط

وكانت محافظة أسيوط قد شهدت واقعة مأساوية، بعدما لقيت طالبة بالصف الثالث الثانوي مصرعها إثر سقوطها من الطابق السادس بأحد العقارات السكنية، عقب مرورها بحالة نفسية سيئة للغاية بعد انتهاء امتحان مادة الكيمياء، حيث خرجت الطالبة من لجنة الامتحان وهي في حالة صدمة وانهيار وبكاء شديد، بعدما لم تتمكن من الإجابة عن أسئلة امتحان الكيمياء بالشكل الذي كانت تأمله.

وعقب عودتها إلى منزلها، ظلت تمر بحالة نفسية وعصبية شديدة، قبل أن تغافل أفراد أسرتها وتلقي بنفسها من شرفة الطابق السادس، لتفارق الحياة في الحال، وسط حالة من الحزن والصدمة بين أهالي المحافظة.