قراءة نفسية وسياسية لسلوك ترامب في بكين
خبير صيني: أمريكا تعيش لحظة غطرسة شبيهة بـ"روما قبل الانهيار"
في مشهد بدا بروتوكولياً عابراً، حملت مصافحة جمعت بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني في بكين دلالات نفسية وسياسية عميقة، تجاوزت بكثير حدود اللياقات الدبلوماسية. فوفقاً لقراءات متخصصة في علم النفس السياسي وتحليل لغة الجسد، لم تكن تلك اللحظات العشر مجرد تحية، بل كانت تشخيصاً حياً لمتلازمة خطيرة يعاني منها ترامب، يصفها الخبراء بأنها "قاتل القادة الصامت" الذي أنهى إمبراطوريات وحضارات قبل أن تنهار على يد أعدائها.
هذه المتلازمة تسمي "الغطرسة السياسية" ، التي صاغ مفهومها بدقة العالم البريطاني ديفيد أوين، وهو طبيب أعصاب وسياسي سابق، لا تقتصر على كونها مجرد غرور عابر. فقد خلص أوين بعد دراسته لحياة قادة كبار مثل تشرشل وبوش وصدام حسين، إلى أن استمرار القائد في السلطة فترة طويلة مع تراكم النجاحات والإطراء يحدث تغييراً فعلياً في كيمياء دماغه، ويتحول المرض إلى تحول نفسي-عصبي حقيقي.
وحدد أوين خمسة أعراض تميز القائد "المتغطرس": فقدان الاتصال بالواقع حتى يظن أن القوانين التي تنطبق على البشر لا تنطبق عليه، واحتقار النصيحة المخالفة فيحيط نفسه بالمصفقين فقط، والهوس بالإرث التاريخي على حساب المصلحة الوطنية، والاندفاع والمجازفة بدون مشاورات كافية، وأخيراً العجز عن الاعتراف بالخطأ أو التراجع حتى عندما يثبت فشل قراره.
هذه الأعراض الخمسة تجلت بوضوح في تفاصيل المصافحة التي حظيت باهتمام عالمي. فترامب، الذي عود العالم على مصافحته "الساحقة" التي تسحب الخصم نحو مساحته الخاصة لإظهار السيطرة، فوجئ بأن الرئيس الصيني لم يتحرك قيد أنملة. وهنا حدثت الإهانة الصامتة، حيث لم يتحمل صاحب متلازمة الغطرسة أن يفشل في تمرينه المفضل أمام الكاميرات. ولجأ ترامب إلى التربيت على يد نظيره الصيني بخمس تربيتات متتالية، وهو سلوك يفسره خبراء لغة الجسد بأنه محاولة يائسة لإعادة تأكيد الهيمنة، أشبه بسلوك الأب مع الابن. لكن طول المصافحة وعجز ترامب عن التراجع بعد فشله في سحب خصمه، كشف أكثر مما أراد إخفاءه.
تأتي هذه القراءة التحليلية في وقت حساس، حيث يحذر البروفيسور الصيني جيانغ شيويه تشين، الملقب بـ"نوستراداموس الصين"، من أن أمريكا اليوم تعيش لحظة غطرسة شبيهة بلحظة روما قبل الانهيار. ويؤكد جيانغ، الذي يستخدم نماذج رياضية نفسية لتحليل سلوك القادة، أن ترامب يجسد متلازمة الغطرسة في أقصى صورها. وكان جيانغ قد أطلق ثلاث نبوءات في عام 2024: عودة ترامب للسلطة (وهو ما تحقق)، والدخول في حرب مباشرة مع إيران (وهو ما يعيشه العالم الآن)، والهزيمة الكبرى وانهيار الإمبراطورية الأمريكية، الذي يرى أنه بدأ بالفعل.
وعن الحرب الأمريكية في إيران، يوضح جيانغ إن ترامب لا يخوض حرباً بالمعنى الكلاسيكي، بل يخوض استعراضاً عسكرياً. وعندما يواجه عدوًا لا يستعرض بل يستنزف – عبر مسيرات رخيصة تدمر دبابات بمليارات الدولارات، وضرب محطات الطاقة – يجد نفسه في حرب لا يمكنه إنهاؤها بخطاب ناري أو تغريدة غاضبة. وهنا تبدأ متلازمة الغطرسة في التهام صاحبها، لتقوده إلى ما يصفه المحللون بـ"فخ إيران القاتل".
هذا السيناريو ليس جديداً في التاريخ. فقد قدمت المؤرخة الأمريكية الكبرى باربرا توكمان نظرية موازية في كتابها الشهير "مسيرة الحمق: من طروادة إلى فيتنام"، حيث حللت لماذا تتبع الحكومات سياسات تخالف مصالحها الواضحة وتنتهي بها إلى الكارثة. واشترطت توكمان لكي تعتبر سياسة ما "حمقاء ناتجة عن الغطرسة" ثلاثة شروط: أن تكون نتائجها كارثية وملموسة، وأن تكون هناك خيارات بديلة واضحة في وقت اتخاذ القرار، وأن يحذر الخبراء من هذه النتائج قبل حدوثها ويتم تجاهلهم. وأمثلة ذلك في التاريخ كثيرة: حرب فيتنام، وحرب الثلاثين عاماً، وغزو هتلر لروسيا.
وتوضح توكمان من خلال دراسة عقود من سقوط الأباطرة، دورة ثابتة من خمس مراحل تبدأ بالنجاح العظيم الذي يجعل القائد يشعر بأنه "لا يقهر"، ثم الاستعلاء والنظر إلى الخصوم كحشرات لا تستحق الدراسة، يليه العمى الاستراتيجي وتجاهل التهديدات الحقيقية، ثم الخطأ القاتل باتخاذ قرار انتحاري كغزو مستحيل أو حرب استنزاف، وأخيراً الانهيار السريع. ويرى متابعو ترامب أنه اليوم قد يكون في نهاية المرحلة الثالثة أو بداية الرابعة.
في الأساطير اليونانية، كانت الإلهة "نيميسيس" مسؤولة عن معاقبة كل من يصاب بالغطرسة. لم تكن شريرة، بل كانت ضابطة للتوازن تعيد من تجاوز حده إلى الأرض. وفي السياسة الحديثة، نيميسيس ليست إلهة، بل هي قوانين الواقع والفيزياء والاقتصاد: قانون الجاذبية الذي يقول إن ما ارتفع بغير عقل لابد أن يسقط، وقانون الاقتصاد الذي يؤكد أنه لا يمكن الإنفاق على الحروب إلى ما لا نهاية، وقانون التاريخ الذي أثبت أن كل إمبراطورية ظنت أنها أبدية انهارت أمام من كان أكثر صبراً.
ما يثير القلق بشكل خاص، وفقاً لتحليل لغة الجسد فإن ترامب في تصريحاته الأخيرة من على متن الطائرة الرئاسية يتحدث كلغة منتصر يفرض شروطه قبل الجلوس على الطاولة. فهو يصف العمليات العسكرية بأنها مجرد "عملية تنظيف خفيفة"، ويتحدث عن "تدمير 80% من القدرات الصاروخرية"، ويصر على أنه "المنقذ الأوحد" الذي حال دون امتلاك إيران السلاح النووي. هذا الأسلوب، الذي يطلق عليه خبراء الإستراتيجية "سيكولوجية الردع المرعب"، يهدف إلى تحطيم الروح المعنوية للخصوم قبل أي تفاوض، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن أعمق أعراض متلازمة الغطرسة: الاعتقاد بأن العبقري الشخصي يكفي لاتخاذ قرارات مصيرية بدون مشاورات كافية.
والسؤال الذي يطرح على الساحة الآن: هل أمريكا اليوم في صدد كتابة فصل جديد في "مسيرة الحمق" التي وثقتها باربرا توكمان؟ أم أن ترامب سيفاجئ العالم ويكون أول قائد مصاب بمتلازمة الغطرسة يعرف متى يتوقف؟
هناك مقولة شهيرة تقول إن التاريخ يعيد نفسه، أول مرة كمأساة، والمرة الثانية كمهزلة. الأيام المقبلة – وربما الأسابيع – لن تحسم فقط مصير حرب أو مستقبل منطقة بأكملها، بل قد تحسم مصير نظرية كاملة في علم النفس السياسي، وتقدم إجابة قاطعة عن السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يمكن للإمبراطوريات أن تتعلم من غطرستها قبل فوات الأوان؟


تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







