رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

زاوية حرة

زمان كانت أيام.. كلما جلست مع أحد الأشخاص ممن بلغ من الكبر عتيًا يسهب في سرد القصص والحكايات عن أيام الصبى، ويضرب كفًا على كف، ويقول كان الله في عون الجيل الحالي، فزمان كانت الأيام بسيطة والحياة لونها وردي، ولكن الآن أيامٌ ليس لها ملامح، فالضغوط تحاصر الشباب من كل حدب، من البحث عن فرص عمل، إلى البحث عن شقة للزواج، إلى آخر الأشياء التي تضيق اليد للحصول عليها، نعم الأيام تبدلت وأضحى الجيل الجديد يشعر بالقلق، والعجز أيضًا عندما لا يقدر على مجاراة الأيام.

وبدوري أضيف: الجيل الحالي، البعض منه يبحث عن الاستقلالية، والتي أضحت بعيدة المنال لاسيما أن الكثير من الآباء تشغلهم مصاريف الأبناء رغم بلوغهم أعمارًا، من المفترض أن يعتمدوا على أنفسهم، ولكن هم يعلمون أن الأيام ثقال تئن منها الجبال، فالقلق اليوم بداخل الكثير من الشباب تحول إلى حالة يومية، فهو يستيقظ مثقل الرأس، ويمضي يومه بين التفكير والخوف والحسابات التي لا تنتهي، جيلٌ كثيرٌ منه لم يحقق أحلامه، ويبحث عن طريق النجاة، وكيف ينجو من ضغط الحياة قبل أن يلتهمه التعب بالكامل.

والعجيب أن الكثير من الشباب الآن، يشعرون أن العمر سقط فوق رؤوسهم دفعة واحدة، فالجميع يجري في مناكب الأرض، ويعمل في أكثر من مكان حتى تمر الأيام دون أن تضر، وهنا أدعو إلى عدم لوم الكبار على الشباب، فالحياة لم تعد سهلة كما كانت تبدو في عيونكم سابقًا، حتى الأشياء البسيطة التي كانت تُعدّ حقًا طبيعيًا، أصبحت اليوم أشبه بالرفاهية، شقة صغيرة تحتاج سنوات من الركض والتحويش، والعمل لم يعد يضمن لصاحبه حياة كريمة، بالكاد يمنحه القدرة على الصمود حتى نهاية الشهر.

والمؤلم أن هذا الجيل بدأ العجزُ يتسلل إليه ببطء، لماذا؟ لأنه حين يعمل طوال يومه يكتشف أن راتبه ذهب مع الريح قبل أن ينتهي الشهر، وحين تقف الأسرة عاجزة أمام متطلبات أساسية، يصبح التفكير في المستقبل عبئًا نفسيًا بدلًا من أن يكون مساحة للأمل، في الماضي، كان الإنسان يبدأ حياته بإمكانات محدودة، لكنه كان يشعر أن الطريق أمامه مفتوح، وأن التعب سيؤتي ثماره مع الوقت، أما الآن فالكثيرون يركضون بلا إحساس حقيقي بالتقدم.

هنا الأسعار ترتفع بشكل يفوق قدرة الناس على الاحتمال، وهناك المواصلات تزداد، والفواتير تثقل البيوت، وكل شيء يتحرك بسرعة قاسية بينما الإنسان نفسه يقف عاجزًا يحاول فقط ألا يسقط أرضًا، والكثير من الشباب للأسف بدلًا من الاستقلال المادي أصبح من الطبيعي أن يعتمد على دعم الأهل، ليس لأنه يرفض المسؤولية، ولكن لأن الواقع صار أكبر من قدرة الفرد وحده.

كثيرون الآن لم يعودوا قادرين على الاستقلال أو بناء حياة مستقرة دون سندٍ عائلي، حتى فكرة الاعتماد على النفس، التي كانت يومًا رمزًا للنضج، باتت بالنسبة للبعض حلمًا بعيدًا ومؤجلًا إلى أجل غير معلوم، ومع كل قرار اقتصادي جديد، يشعر الناس أن المسافة بينهم وبين الحياة الطبيعية تزداد اتساعًا، حتى أصبحت الحياة نفسها تحتاج إلى قدرةٍ استثنائية على التحمل، والأخطر من الضيق المادي، هو ذلك الشعور البطيء الذي يتسلل إلى الداخل، بأن جهده لم يعد كافيًا، وأن أحلامه تتآكل أمامه مهما حاول.

ولهذا يبدو هذا الجيل مرهقًا طوال الوقت، يضحك كثيرًا على مواقع التواصل، لكنه يحمل داخله خوفًا ثقيلًا من المستقبل، يخشى المرض لأنه مكلف، ويخشى الزواج لأنه مرهق، ويخشى الغد لأنه مجهول، حتى الراحة النفسية نفسها أصبحت حلمًا بسيطًا لا يجده كثيرون، باختصار، هذا الجيل لا يريد حياة فاخرة، ولا يبحث عن الرفاهية المبالغ فيها، يريد فقط أن يشعر أن الحياة ليست معركة يومية، وأن العمل يمكن أن يمنح الإنسان حدًا أدنى من الطمأنينة، وأن المستقبل ليس بابًا مغلقًا بالكامل، لأن المجتمعات لا تنهكها الحروب فقط، وقد ينهكها جيلٌ كامل يشعر بالقلق، والعجز أيضًا!!.