عمارةٌ للروح وصفاءٌ للخُلق.. أهمية تخيير مطاعمنا في استجابة الدعاء
أرشدنا سيدنا النبي المصطفى، والحبيب المجتبى - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - إشارةً وتصريحًا في حديثه إلى أنه ينبغي علينا أن نتخيَّر مطاعمنا، وقد أرجع كثيرٌ من العلماء ما يسري بين الناس من سوء الخلق، وما يترتب عليه من التنازع والخصام إلى سوء المطعم على مستوياته كلها؛ سواء أكان الطعام من حرامٍ وإن كان حلالًا في ذاته، كالرشوة والسرقة، أو كان الطعام محرَّمًا في نفسه؛ مما حرَّمه الله علينا كالخمر والخنزير والميتة، فكل ما يدخل ليكوِّن لحمك ودمك له علاقةٌ بتقواك لله رب العالمين.
علاقة الطعام الطيب باستجابة الدعاء
وهذا المعنى يقول فيه سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ» [الطبراني (ت ٣٦٠)]، فتحرِّي الطعام الطيب يكون بأن يكون مباحًا في نفسه، طيبًا في طعمه، وأن يصل إلى الإنسان من طريقٍ حلال، ومن كسبٍ مشروع.
ويقول النبي - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «الرَّجُلُ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، ثُمَّ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» [صحيح مسلم].
وقال الحسن البصري - رضي الله تعالى عنه: "كانت بليةُ أبيكم آدم أكله، وهي بليتكم إلى يوم القيامة".
ويقول سيدنا النبي - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ» [رواه الترمزي]، فأنت تتخيَّر القليل ولكنه ذو جودةٍ عالية، وهذه الجودة لا تتأتى بغلاء الأثمان، وإنما تتأتى بأن لا يكون همُّ الإنسان بطنه، ولا أن يملأه كيفما شاء، بل عليه أن يتأنى، وكان رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - إذا مضغ أحسن المضغ، ويقول في أيام التشريق: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» [صحيح مسلم]، فجمع بين الأكل والشرب وبين ذكر الله.
ويقول سبحانه وتعالى: ﴿یَٰبَنِیۤ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِینَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدࣲ وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا تُسۡرِفُوۤاۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ * قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِینَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِیۤ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّیِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِیَ لِلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا خَالِصَةࣰ یَوۡمَ ٱلۡقِیَٰمَةِۗ﴾ [الأعراف: ٣١-٣٢]، فهي للذين آمنوا في الحياة الدنيا، ويشترك معهم فيها الكافرون والمشركون والمنافقون على مائدة الرحمن - سبحانه وتعالى - وهي هذا الكون الفسيح العظيم، ولكنها تكون خالصةً لأولئك المؤمنين يوم القيامة.
والله - سبحانه وتعالى - يحب الجمال، وقد أرشدنا إلى الطيب من الطعام، وهذا الطيب حين تخلَّينا عنه، وأخذنا نأكل كلَّ شيءٍ في الطرقات من غير تحرٍّ، وإنما لسدِّ الجوعة وملءِ البطن، تنازع الناس، ورأينا سوء الخلق ينتشر فيهم؛ لأن الذي لا يتحرى في مأكله ومشربه يدلُّ حالُه على دناءة همةٍ وقلةِ مبالاة، وماذا تنتظر ممن هذه حاله إلا سوء الخلق، والنزاع، والخصام بين الناس؟
وعندما أفاق أولياء الله الصالحون - أهل الكهف - من غفوتهم التي منَّ الله عليهم بها، قالوا: ﴿فَٱبۡعَثُوۤا۟ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦۤ إِلَى ٱلۡمَدِینَةِ فَلۡیَنظُرۡ أَیُّهَاۤ أَزۡكَىٰ طَعَامࣰا فَلۡیَأۡتِكُم بِرِزۡقࣲ مِّنۡهُ وَلۡیَتَلَطَّفۡ وَلَا یُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٩] قالوا: ﴿أَزۡكَىٰ طَعَامࣰا﴾، ولم يقولوا: فليأتنا بطعام، مع أنهم منذ ثلاثمائة سنةٍ أو يزيد في جوعةٍ لا يعلمها إلا الله، وكان يمكن أن يقال: ليبادر وليأتنا بأي شيء، لكنهم لم يقولوا ذلك، وإنما قالوا: ﴿فَلۡیَنظُرۡ أَیُّهَاۤ أَزۡكَىٰ طَعَامࣰا﴾.
ويقول تعالى: ﴿وَظَلَّلۡنَا عَلَیۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ وَأَنزَلۡنَا عَلَیۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُوا۟ مِن طَیِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ﴾ [البقرة: ٥٧]، ولم يقل: كلوا الطيبات، بل قال: ﴿مِن طَیِّبَٰتِ﴾، و﴿مِن﴾ للتبعيض؛ يعني: كلوا بعض طيبات ما رزقناكم.
فينبغي على الإنسان أن يتحرَّى الجمال في الأكل، والحلال في الأكل، والإقلال في الأكل، فلا يسرف، ولا يملأ بطنه، بل يتخيَّر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







