رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

تطبيقات وطنية تخدم الملايين.. وزير الاتصالات يكشف خريطة الذكاء الاصطناعي المصري

المهندس رأفت هندي
المهندس رأفت هندي وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات

ثمة سؤال يُلح على كل حكومة تراقب الثورة الرقمية المتسارعة، هل نستخدم ما صنعه الآخرون، أم نبني ما يناسبنا نحن، مصر اختارت الإجابة الصعبة، واتخذت خطوة جريئة حين أعلنت عن تبني الذكاء الاصطناعي ضمن خريطة أولويات وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الخمسة التي أعلن عنها المهندس رأفت هندي وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وكان التتويج الأبرز لهذا المحور إطلاق النموذج اللغوي الوطني "كرنك" أمام العالم.

جاء الإعلان خلال قمة AI Everything MEA التي استضافتها القاهرة في فبراير 2026 تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، بمشاركة أكثر من 350 شركة و250 شركة ناشئة و100 مستثمر يديرون أصولًا تُقدر بنحو 50 مليار دولار من أكثر من 60 دولة، وهو مشهد يقول بوضوح إن مصر لم تعد تحضر قمم الذكاء الاصطناعي مستمعًا، بل باتت تحتضنها منظمًا ومبادرًا.

كرنك.. ليس مجرد نموذج لغوي

الاسم مستوحى من معبد الكرنك الفرعوني الشامخ، وهو اختيار يحمل رسالة ضمنية واضحة، ما تبنيه مصر يمتد جذوره في عمق حضاري لا يُضاهى، يُعد "كرنك" الأعلى تصنيفًا بين نماذج اللغة العربية في فئتي 30 إلى 40 مليار باراميتر وفئة 70 إلى 80 مليار باراميتر، وقد طُور ليصبح أداةً مركزية لتطوير التطبيقات الذكية باللغة العربية ودعم الابتكار في القطاعين العام والخاص.

يعالج النموذج اللغة العربية بكفاءة عالية سواء باللغة الفصحى أو اللهجات المحلية، ويتيح استضافة ومعالجة البيانات محليًا مع الالتزام بالقوانين المصرية لحماية الخصوصية وتقليل مخاطر تسرب البيانات خارج الدولة، وهو ما يجعله ركيزة للسيادة الرقمية لا مجرد أداة تقنية.

الأنظمة والنماذج وحدها لا تُصنع مستقبلًا، ما يُحدث الفارق هو التطبيقات التي تلمس حياة الناس اليومية، وهذا تحديدًا ما عمل عليه مركز الابتكار التطبيقي التابع لوزارة الاتصالات، أُطلق تطبيق "سيا"، الذي يعني الفهم العميق في العربية القديمة، كمعلم ذكي مخصص لدعم الطلاب والمعلمين في مواد اللغة العربية والتاريخ المصري بالمرحلة الثانوية، فيما يُقدم التطبيق الثاني إرشادات وتقييمات قانونية وتنظيمية لمساعدة المواطنين والشركات الصغيرة على التعامل مع البيئة التشريعية.

والتطبيقان معًا يُجسدان فلسفة واضحة، الذكاء الاصطناعي يجب أن يبدأ من احتياجات الناس لا من إمكانيات التكنولوجيا.

الذكاء الاصطناعي في خدمة الصحة والخدمات الحكومية

تستخدم مصر نماذج ذكاء اصطناعي مدربة محليًا للكشف المبكر عن اعتلال الشبكية السكري ووذمة البقعة الصفراء وسرطان الثدي، بالاعتماد على قواعد بيانات محلية، مع التعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لإتاحة هذه الحلول للدول العربية والأفريقية ضمن مبادرة AI Share.

وعلى صعيد الخدمات الحكومية، أُطلق تطبيق "أقوى" القائم على تقنيات معالجة اللغة الطبيعية الذي يراجع مكالمات المواطنين مع مركز الاتصال الحكومي ويرصد أي معلومات غير دقيقة أو تعامل غير لائق، إلى جانب مساعد ذكي لدعم فرق خدمة العملاء.

أرقام تثبت أن المسار صحيح

تقدمت مصر إلى المركز 22 عالميًا في مؤشر نضج الحكومة الرقمية الصادر عن البنك الدولي لعام 2025، واحتلت المرتبة الأولى أفريقيًا وارتقت 14 مركزًا عالميًا في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي الصادر عن Oxford Insights، مع تصدرها عالميًا في محور قدرة السياسات.

وقد اعتمد مجلس الذكاء الاصطناعي الخطة التنفيذية لاستراتيجية الذكاء الاصطناعي لعام 2026 ومؤشراتها الفرعية البالغ عددها 56 مؤشرًا، في خطوة تُرسّخ نهج المساءلة والشفافية وتضمن ألا تبقى الاستراتيجية حبرًا على ورق، وتجدر الإشارة إلى أن هذه الخطة تندرج ضمن مسيرة ممتدة؛ إذ وُضعت النسخة الأولى من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي في عام 2019 وجرى تنفيذها حتى عام 2024، وقد أثمرت عن نتائج ملموسة، إذ تقدمت مصر 46 مركزًا في المؤشر العالمي لجاهزية الدول للذكاء الاصطناعي خلال سنوات تطبيقها.

وبعد أن استوفت مصر أهداف مرحلتها التأسيسية، أطلق المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي الإصدار الثاني من استراتيجية مصر للذكاء الاصطناعي للفترة 2025 إلى 2030، الذي يرتكز على ستة محاور عمل رئيسية تشمل الحوكمة والبنية التحتية الحوسبية والبيانات والتقنية والابتكار، في إشارة واضحة إلى الانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التوسع والتحديث.

ما يميز منهجية مصر في هذا المحور هو أنها لا تحتكر كرنك لنفسها، يتيح إطلاق النموذج للشركات الناشئة والمطورين المحليين منصة يمكن البناء عليها لتطوير تطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مما يوفر قاعدة تقنية عربية تُمكن من تصميم حلول تلائم السياق المحلي دون الحاجة إلى الاعتماد الكامل على خدمات خارجية.

 يبدو هذا المحور  في رؤية وزير الاتصالات رهانًا استراتيجيًا على أن مصر قادرة على بناء أدواتها الخاصة بلغتها وثقافتها وبياناتها، وبين كرنك الذي يُعالج العربية بفروقها الدقيقة، وسيا التي تعلم الطلاب، وتطبيقات الكشف المبكر التي تنقذ الأرواح، تتشكل ملامح دولة توظف الذكاء الاصطناعي لا لمجاراة الآخرين، بل لبناء نسختها الخاصة من المستقبل.