والمجلس الوطني يقر سياسات حوكمة جديدة
مصر تقفز 14 مركزًا في مؤشر الذكاء الاصطناعي وتتصدر أفريقيا
لم تعد مصر مجرد مشارك في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، بل باتت تتقدم فيه بخطوات قابلة للقياس والتوثيق، هذه هي الرسالة التي حملها اجتماع المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتكنولوجيات البازغة، الذي انعقد برئاسة المهندس رأفت هندي، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بحضور أعضاء المجلس وعدد من الخبراء المتخصصين.
وشكل الاجتماع محطة مفصلية في مسار التحول الرقمي المصري، إذ لم يكتف باستعراض ما تحقق، بل أقر خطة تنفيذية لعام 2026 تحمل 56 مؤشراً فرعياً لقياس الأداء، واعتمد إطار الحوكمة الوطني للذكاء الاصطناعي بكامل أدلته التوجيهية.
أرقام تتحدث.. مصر في المرتبة الأولى أفريقيًا
استهل المهندس رأفت هندي الاجتماع بعرض جملة من المؤشرات الدولية التي رسمت صورة واضحة لموقع مصر على الخريطة الرقمية العالمية.
تقدمت مصر إلى المركز الثاني والعشرين عالمياً في مؤشر نضج الحكومة الرقمية الصادر عن البنك الدولي لعام 2025، وهو مؤشر يقيس مدى قدرة الحكومات على توظيف التكنولوجيا في تقديم خدماتها وصنع قراراتها.
أما على صعيد الذكاء الاصطناعي تحديداً، فقد جاءت النتائج أكثر لفتاً للنظر، في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي الصادر عن مؤسسة Oxford Insights لعام 2025، تقدمت مصر 14 مركزاً على المستوى العالمي لتستقر في المرتبة الحادية والخمسين من بين 195 دولة، وتحتل المركز الأول أفريقياً، والثالث على مستوى الدول العربية بعد أن كانت في المركز السابع عربياً خلال العام السابق. ولعل الأبرز في هذه النتائج أن مصر تصدّرت الترتيب العالمي في محور "قدرة السياسات" ضمن المؤشر ذاته، وهو محور يعكس نضج الأطر التشريعية والاستراتيجية الداعمة لتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي على المستوى الحكومي.
56 مؤشراً لقياس التقدم.. ونهاية للتقارير السنوية
على صعيد القرارات التنفيذية، اعتمد المجلس الخطة التنفيذية لاستراتيجية الذكاء الاصطناعي لعام 2026، مُرفقةً بـ56 مؤشراً فرعياً موزعة على مبادرات الاستراتيجية المختلفة، مع إلزام الجهات الحكومية بتقديم تقارير إنجاز ربع سنوية بدلاً من الاكتفاء بالمراجعة السنوية. وهذا التحول من الرصد السنوي إلى الرصد الفصلي يُشير إلى رغبة واضحة في تسريع وتيرة التنفيذ وعدم السماح بتراكم الفجوات بين الخطط والواقع.
أقر المجلس إطار الحوكمة الوطني للذكاء الاصطناعي، ووافق على دليلين مكمّلَين له: الأول يتعلق بمبادئ الذكاء الاصطناعي الموثوق والمسؤول، والثاني يختص بمبادئ الذكاء الاصطناعي التوليدي، في خطوة تضع مصر في مصاف الدول التي تمتلك منظومة تشريعية وأخلاقية واضحة لتنظيم هذه التقنيات.
ومن أبرز ما تضمنته خطة العمل لمحور الحوكمة لعام 2026، إعداد دليل الاستخدام الآمن لتطبيقات الذكاء الاصطناعي للأطفال، وهو توجه يعترف بأن التقنية باتت تصل إلى الفئات الأكثر هشاشة وتستوجب حمايتها.
كما وافق المجلس على تفعيل سياسة البيانات المفتوحة وتشكيل لجنة مشتركة مؤقتة لإتاحة البيانات، في إشارة إلى أن مصر تسعى إلى بناء منظومة بيانات قابلة للاستثمار والتشارك، وهو شرط أساسي لأي تطور حقيقي في مجال الذكاء الاصطناعي.
لم يتوقف الاجتماع عند حدود الذكاء الاصطناعي، بل استعرض المهندس هندي عدداً من التطورات المرتبطة بتعزيز البنية المؤسسية والتعاون الدولي. وفي مقدمة ذلك، توقيع مصر على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة السيبرانية، إلى جانب الجهود الجارية لإنشاء المركز المصري الأفريقي لمنع ومكافحة الجريمة السيبرانية بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، وهو مشروع يُرسخ دور مصر بوابة أفريقية للأمن الرقمي.
وعلى صعيد بناء القدرات، وافق المجلس على تنفيذ برنامج تطوير المهارات في مجال الذكاء الاصطناعي للجهات الحكومية المصرية والدول العربية والأفريقية، في رسالة واضحة بأن مصر لا تسعى إلى الريادة لحسابها الخاص، بل تطمح إلى أن تكون مرجعاً إقليمياً في هذا المجال.
استعرض الوزير مشاركة مصر في قمة تأثير الذكاء الاصطناعي التي عُقدت في الهند في فبراير الماضي، حيث شارك وفد مصري رفيع المستوى إلى جانب ممثلين من 130 دولة وأكثر من 60 وزيراً، وأدلت مصر بكلمة في الجلسة الرئيسية وشاركت في جميع مجموعات العمل المنبثقة عن القمة.
وعلى الصعيد الداخلي، أشار هندي إلى استضافة مصر لفعاليات قمة ومعرض AI Everything للشرق الأوسط وأفريقيا تحت رعاية رئاسية، وكان من أبرز ما أُعلن خلالها عن النموذج اللغوي العربي المصري "كرنك"، الذي يمثل حضوراً مصرياً في ساحة النماذج اللغوية الكبرى المتنامية عالمياً.
كما وافق المجلس على طلب انضمام مصر بصفة مراقب إلى أعمال اللجنة التوجيهية للتقنيات الرقمية الجديدة والناشئة التابعة لمجلس أوروبا، وهو انضمام يوسّع نطاق حضور مصر في المنتديات الدولية التي ترسم قواعد حوكمة التكنولوجيا عالمياً.
يجدر التنويه بأن هذا الاجتماع هو الأول للمجلس منذ موافقة مجلس الوزراء في يناير الماضي على تعديل مسماه من "المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي" إلى "المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتكنولوجيات البازغة"، وذلك تواكباً مع التوجهات الدولية، ومنها تحويل الأمين العام للأمم المتحدة مكتب مبعوث التكنولوجيا إلى "مكتب الأمم المتحدة للتكنولوجيات الرقمية والبازغة".
هذا التوسع في المسمى ليس مجرد تحديث شكلي، بل يعكس استيعاباً حقيقياً لحقيقة أن المعركة الرقمية القادمة لن تدور في ساحة الذكاء الاصطناعي وحده، بل ستمتد لتشمل الحوسبة الكمية وكل التقنيات التي تُعيد تشكيل ملامح الاقتصاد والأمن والحياة اليومية في العقود المقبلة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض


