كبسولة فلسفية
قد يمرّ على الإنسان يا صديقي يوم يشعر فيه بأن الضوء الخارجي الذي كان يستند إليه قد انطفأ فجأة؛ ضوء العلاقات، أو العمل، أو اليقين، أو حتى ضوء الصورة التي كان يراها عن نفسه. وحين يخفت كل هذا، يجد عزيزي القارئ نفسه أمام لحظة صامتة لا يملك فيها إلا أن ينصت لما يجري في داخله. هنا تبدأ الفلسفة عملها الحقيقي، لا بوصفها تأملًا بعيدًا، بل كوسيلة إنقاذ خفية تتسلل إلينا في العتمة حين لا نجد طريقًا آخر.
فالإنسان حين يفقد ضوء الخارج يكتشف أنه لم يتعلّم بعد كيف يشعل ضوءه الداخلي. تعوّدنا يا صديقي أن نستمد قوتنا مما حولنا: من نجاح سريع، من كلمة تقدير، من شعور بالسيطرة. لكن الفلسفة تضعنا أمام سؤال لا يمكن الهروب منه: من أنت حين يُسحب منك كل ما اعتدت الاتكاء عليه؟ هذا السؤال وحده قادر على إعادة تشكيلك، لأنه يجبرك على مواجهة ذاتك من دون زينة، ومن دون أصوات تغطي هشاشتك أو قوتك الحقيقية.
ولعلّ أجمل ما في هذه اللحظات أن الظلام لا يأتي ليعاقبك، بل ليجعلك ترى ما لم تكن تراه في الضوء. فحين يخفت العالم من حولك، تظهر تفاصيل لا تلاحظها عزيزي القارئ في الزحام: مخاوفك القديمة، أحلامك المؤجلة، قيمك التي نسيتها، وصوت داخلي خافت كان ينتظر فقط أن تصمت الدنيا ليسمعك ما يريد قوله منذ زمن. الفلسفة هنا ليست موضوعًا للقراءة، بل فعلًا للنجاة، لأنها تعلّمك كيف تبني معنى في اللحظة التي يبدو فيها كل شيء بلا معنى.
وعندما يبدأ هذا الضوء الداخلي بالظهور، ولو بخيط صغير، تكتشف يا صديقي أنك لم تكن تحتاج إلى العالم بقدر ما كنت تحتاج إلى نفسك. تكتشف أن قوتك لا تُقاس بما تملكه، بل بقدرتك على تفسير ما يحدث لك، وعلى تحويل الألم إلى بصيرة، والضياع إلى طريق جديد. وهكذا يتحوّل الظلام من خصم إلى معلّم، ومن عثرة إلى بداية مختلفة تمامًا.
وفي النهاية، قد تنطفئ الدنيا مرة أخرى، وربما مرات كثيرة، لكنّ من يتعلّم إشعال نوره من الداخل، لن يخاف العتمة بعد اليوم... لأنها تصبح عنده بداية فهم، لا نهاية طريق.
كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط
[email protected]