ما سر اختيار سورة الفاتحة لبداية الصلاة بكل ركعة.. أستاذ تفسير يجيب
أكد الدكتور حسن عبد الحميد،أستاذ ورئيس قسم التفسير وعلوم القرآن بكلية الدراسات العليا جامعة الأزهر الشريف أن سورة الفاتحة اختارها الله سبحانه وتعالى لتكون فاتحة كل صلاة، لما تحمله من معاني عميقة وحكمة إلهية، داعيًا إلى التدبر والتأمل في كلماتها وآياتها.
وقال خلال تقديم برنامج "نورانيات قرآنية" المذاع على قناة صدى البلد، إن اختيار سورة الفاتحة للصلاة لم يكن عشوائيًا، فهي "أم القرآن" و"السبع المثاني"، وتحتوي على لمحات ودلالات تجعل المسلم يتوقف للتفكر في معانيها، مؤكدًا أن فهم هذه السورة يعكس الحكمة الإلهية في اختيارها ليقرأها المسلم في كل ركعة من صلاته.
وأشار إلى أن التدبر في سورة الفاتحة يشمل كل مفردة وآية فيها، من أول كلمة إلى آخر كلمة، مما يفتح المجال أمام المسلم للتأمل في الإشارات والمعاني العميقة التي تحتويها، وهو ما يجعلها أفضل سورة على الإطلاق، كما جاء في نص حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
قراءة الفاتحة في قضاء الحوائج
وفي سياق مختلف، يُستَدَلُّ لقراءة الفاتحة في قضاء الحوائج بحديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه الإمام مسلم في "صحيحه" وغيره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ؛ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي -وَقَالَ مَـرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي-، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ».
فإعطاء الله تعالى للعبد سُؤْلَه عام في هذا الموضع، كما أنَّ متعلَّق الاستعانة محذوف، وهذا يقتضي الإطلاق، فيدل على مشروعية نية الاستعانة بالله في كل شيء بقراءة الفاتحة؛ قال الشيخ ابن عبد الهادي الحنبلي في رسالته "الاستعانة بالفاتحة على نجاح الأمور" في "جمهرة الأجزاء الحديثية" (ص: 372، ط. مكتبة العبيكان): [احتج بعضهم من هذا الحديث على أنه ما قَرأ أحدٌ الفاتحة لقضاء حاجة وسأل حاجته إلا قُضِيَتْ] اهـ.
وروى الإمام مسلم في "صحيحه" والنسائي في "السنن الكبرى" وغيرهما عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قَالَ: "بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: "هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ، وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ".
قال العلامة محمد بن علان الصديقي الشافعي في "دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين" (6/ 200، ط. دار الكتاب العربي): [يجوز كونُها للاستعانة؛ أي: (لن تقرأ) مستعينًا (بحرف)؛ أي: جملة (منهما) على قضاء غرض لك (إلا أعطيتَه) كيف لا والفاتحة هي الكافية؟ وتلك الخواتيم لمن قرأها في ليلة كافية، والمراد: ثوابه الأعظم من ثواب نظيره في غير هذين. أو المراد بالحرف: معناه اللغوي وهو الطرف، وكنى به عن كل جملة مستقلة بنفسها؛ أي: أُعطِيتَ ما تضمنته إن كانت دعائية كـ ﴿اهْدِنَا﴾ و ﴿غُفْرَانَكَ﴾ الآيتين، وثوابَهما إن لم يتضمن ذلك كالمشتملة على الثناء والتمجيد] اهـ.
وعلى ذلك جرى فعل السلف الصالح من غير نكير؛ فأخرج أبو الشيخ في "الثواب" عن عطاء رحمه الله تعالى أنه قال: "إذا أردتَ حاجةً فاقرأ بفاتحة الكتاب حتى تختمها تُقْضَى إن شاء الله".
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض