الزاد
حين يكلف السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى رئيسَ مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى بعدة مهام بعد تعديلٍ حكومى، فإن الأمر لا يتوقف عند حدود تغيير أسماء، بل يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، إلى إعادة ضبط البوصلة نحو أولويات الدولة فى لحظة دقيقة من تاريخها.
وللمرة الثانية يتصدر بناء الإنسان خطاب التكليف الرئاسى، بما يؤكد أن الأمر لم يعد مجرد طرحٍ نظرى أو عنوانٍ إنشائى، بل أصبح توجّهًا استراتيجيًا ثابتًا فى رؤية الدولة للمستقبل. فحين يكرر الرئيس التأكيد على هذا المفهوم،مع كل تكليف أو تغيير جديد فإنه يلفت الانتباه إلى أن معركة الوعى والسلوك والقيم لا تقل أهمية عن معارك الاقتصاد والتنمية، بل تمثل الأساس الذى تقوم عليه كل النجاحات الأخرى.
التكليفات التى شدد عليها الرئيس فى محاور الأمن القومى، والسياسة الخارجية، والتنمية الاقتصادية، والإنتاج والطاقة، والأمن الغذائى، والمجتمع وبناء الإنسان، تكشف أن الدولة تتحرك برؤية شاملة لا تفصل بين حماية الحدود وبناء العقول، ولا بين قوة الاقتصاد وصلابة الوعى. غير أن المحور الأعمق أثرًا، والأبعد امتدادًا فى المستقبل، يظل هو بناء الإنسان.
فبناء الإنسان ليس شعارًا تربويًا عابرًا، ولا بندًا إنشائيًا فى خطاب رسمى، بل هو مشروع حضارى كامل، يبدأ من التعليم ولا ينتهى عند الثقافة، يمر بالقيم ولا يتوقف عند السلوك، ويتأسس على الوعى القادر على التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين الانتماء ومحاولات التشويه. إنه يعنى التحضر فى المعاملة، والالتزام فى العمل، واحترام القانون، وترسيخ المبادئ التى تُشكل وجدان المجتمع وتحميه من التيارات التى تسير عكس مصالح الدولة واستقرارها.
كما أن بناء الإنسان هو خط الدفاع الأول فى مواجهة الفكر المضلل، لأنه يصنع مواطنًا واعيًا لا تنطلى عليه الشائعات، ومثقفًا يدرك تعقيدات الواقع، وشابًا قادرًا على العمل والإنتاج لا مجرد الانتظار. وهو كذلك الطريق الأقصر لضبط السلوك العام فى الشارع، وفى المؤسسات، وفى كل مساحةٍ يعيش فيها المصريون تفاصيل يومهم.
ومن هنا، فإن أى تعديلٍ حكومى حقيقى يجب أن يُقاس بمدى قدرته على تحويل هذا المفهوم إلى سياساتٍ قابلة للتنفيذ: تعليمٌ حديث يصنع التفكير لا الحفظ، وثقافةٌ تُنير العقول لا تُجمل الواقع، وإعلامٌ يبنى الوعى لا يستهلكه، ومؤسساتٌ تُعيد الاعتبار لفكرة القدوة والمسئولية.
الدول لا تُبنى فقط بالمشروعات الكبرى، مهما بلغت ضخامتها، بل تُبنى أولًا بالإنسان القادر على حماية هذه المشروعات وتطويرها والاستمرار بها. ولذلك يبقى الرهان الحقيقى فى الجمهورية الجديدة هو إنسانها... وعيًا وسلوكًا وانتماءً.
هنا تحديدًا تتجلى الرسالة الأعمق فى تكليفات الرئيس:
أن معركة المستقبل ليست معركة موارد فقط، بل معركة عقول... وأن الانتصار الحقيقى يبدأ من بناء الإنسان.
وأتصور أن وزارة الثقافة تقع فى صدارة الجهات المعنية بتحقيق هذا الهدف، مع تولى الدكتورة جيهان زكى حقيبة الثقافة أتمنى عودة قصور الثقافة، إلى دورها ونشاطها وفكرها الذى تأسست من أجله، بوصفها مناراتٍ للتنوير وبناء الوعى فى شتى أقاليم مصر، لا مجرد مبانٍ تُفتح وتُغلق. بناء الإنسان لا يكتمل دون حضورٍ ثقافى يصل إلى كل المحافظات والأقاليم، ويمنح أبناءها حقهم فى المعرفة والفن والجمال، ويؤكد أن الدولة لا ترى الإنسان فى العاصمة فقط، بل تراه حاضرًا فى كل قرية ومدينة وحدود. لذلك فإن تجاهل الإنسان فى الأقاليم هو تجاهلٌ لجزءٍ أصيل من قوة الوطن، بينما الاهتمام به ثقافيًا وفكريًا هو الطريق الأوسع لترسيخ الانتماء وصناعة وعيٍ قادرٍ على حماية الحاضر وصياغة المستقبل.
لا أريد اهتمام بالإنسان وبناء الانسان على الورق فقط..بل على أرض الواقع..تلك مهمة وزارة الثقافة قبل كل الوزارات..لأن حركة بناء الوعى تبدأ وتنتهى عندها.