الإعلام لم يعد بريئًا.. عمرو الليثي يفتح ملف التلاعب بالمشاعر (تفاصيل)
أكد الإعلامي الدكتور عمرو الليثي أن دور الإعلام لم يعد مقتصرًا على نقل الأحداث والوقائع، بل تحول إلى عنصر فاعل ومباشر في تشكيل مشاعر الإنسان اليومية والتأثير على حالته النفسية.
وتساءل الليثي، خلال تصريحات صحفية، عن آخر مرة قرأ فيها المتلقي خبرًا لم يُحدث تغييرًا حقيقيًا في حياته، لكنه أفسد يومه بالكامل، موضحًا أن هذا السؤال يكشف حقيقة عميقة مفادها أن الإعلام بات شريكًا في صناعة الشعور قبل إتاحة الفرصة للفهم والتحليل.
وأضاف أن الإعلام في الماضي كان يُنظر إليه باعتباره جسرًا لنقل المعلومات بين الحدث والمتلقي، أما اليوم فقد أصبح حاضرًا دائمًا في تفاصيل الحياة اليومية، كالصديق الملازم الذي يرافق الإنسان منذ لحظة الاستيقاظ وحتى قبل النوم، وهو ما غيّر علاقة الجمهور ليس بالخبر فقط، بل بذاته وبالعالم من حوله.
وأشار الليثي إلى أن أخطر ما في الإعلام الحديث أنه لم يعد يسأل: “ماذا حدث؟”، بل أصبح يسأل: “كيف ستشعر عندما تعرف ما حدث؟”، لافتًا إلى أن العناوين لم تعد تُصاغ للإخبار بقدر ما تُصاغ للاستفزاز، وأن الصورة أصبحت وسيلة عاطفية أكثر منها توضيحية، بينما فقدت اللغة حيادها لصالح الشحن الانفعالي.
وأوضح أن الإعلام انتقل من صناعة الخبر إلى صناعة الشعور، خاصة في عصر المنصات الرقمية، حيث دخل في سباق محموم لجذب الانتباه، وأصبح النجاح يُقاس بعدد النقرات والمشاركات لا بعمق المعلومة، في إطار ما يُعرف بـ«اقتصاد الانتباه».
وتابع أن الخوف والصدمة أصبحا أكثر رواجًا من الطمأنينة والتوازن، لأن المتلقي الغاضب أو القَلِق أكثر تفاعلًا، والتفاعل يمثل العملة الأهم في الإعلام الحديث.
وطرح الليثي تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كان الإعلام يعكس الرأي العام أم يصنعه، مؤكدًا أن الإعلام في كثير من الأحيان لا يكتفي بعرض توجهات الناس، بل يعيد ترتيبها وتضخيم بعضها وتجاهل الآخر، ثم يقدّم النتيجة باعتبارها “صوت الشارع”.
وشدد على أن المشكلة لا تكمن في الإعلام وحده، بل في طبيعة العلاقة بين الجمهور ووسائل الإعلام، موضحًا أن المتلقي يطلب السرعة ثم يشكو من السطحية، ويبحث عن الإثارة ثم يندب غياب العمق، ليصبح بذلك جزءًا من المعادلة لا مجرد ضحية لها.
واختتم الليثي تصريحاته بالتأكيد على أن المطلوب ليس إعلامًا بلا مشاعر، بل إعلامًا أكثر صدقًا وهدوءًا، يمنح العقل مساحة قبل الضغط على العاطفة، ويثق بوعي المتلقي دون استدراجه بالخوف أو ابتزازه بالانفعال، متسائلًا: «هل سننجح في استعادة الخبر كحقيقة، أم سنبقى نستهلكه كمشاعر عابرة؟».