تصحيح مسار
لم يكن يوم الجمعة الماضى، 30 يناير 2026، مجرد تاريخ عابر فى تاريخ «بيت الأمة»، بل كان يوما أعاد صياغة مفهوم الديمقراطية الحزبية فى مصر، فى مشهد حبس أنفاس الوفديين والمراقبين للمشهد السياسى، أسفرت فيه صناديق الاقتراع عن نتيجة هى الأكثر دراماتيكية فى تاريخ انتخابات الحزب، ليعلن فوز الدكتور السيد البدوى شحاتة برئاسة الحزب، بفارق ضئيل لم يتجاوز 8 أصوات فقط عن منافسه القوى الدكتور هانى سرى الدين.
وجاء فوز الدكتور السيد البدوى بنحو 1302 صوتا مقابل 1294 صوتا للدكتور هانى سرى الدين، ليحمل دلالة أعمق من مجرد النجاح والخسارة، فهذا الفارق هو «رسالة مزدوجة» من الجمعية العمومية، فهى من ناحية منحت ثقتها لخبرة «البدوى» وقدرته على التواصل مع القواعد، ومن ناحية أخرى أكدت انحياز نصف الحزب تقريبا لرؤية «سرى الدين» فى التحديث والمؤسسية، هذا الرقم الـ8 أصوات الفارق، لا يعنى انقساما، بل يعنى توازنا يفرض على القيادة الجديدة أن تدرك أن الحزب لا يمكن أن يطير بجناح واحد، وأن برنامج الطرفين يجب أن ينصهر فى بوتقة واحدة لخدمة الوفد.
ومما يؤكد على ذلك، لم تمر سوى ساعات قليلة على إعلان النتيجة حتى التقى القطبان فى جلسة أخوية مع اللجنة المشرفة على الانتخابات غلبت عليها مصلحة الحزب فوق أى اعتبار، فى لفتة تعكس رقى الوفد وعراقة تقاليده، تحدث فيها الدكتور السيد البدوى بتقدير بالغ عن منافسه، مؤكداً أن الدكتور هانى سرى الدين قيمة قانونية واقتصادية دولية، ومكسب حقيقى للوفد، وأن رؤيته لتطوير الحزب ستكون محل اعتبار وتنفيذ.
ثم جاء رد الدكتور هانى سرى الدين ليضرب مثالا فى الفروسية السياسية، حيث أكد أن الانتخابات انتهت لحظة إعلان النتيجة، وأن يده ممدودة للتعاون المطلق مع الدكتور البدوى، ليكون الوفد هو الرابح الأكبر، والكل جنود فى خدمة بيت الأمة.
أما التحدى الأكبر الذى يواجهه «البدوى» و«سرى الدين» هو أن المهمة العاجلة والملحة تطوير مؤسسة الوفد الصحفية، الجريدة والبوابة، فالمرحلة القادمة تتطلب ثورة تحديث بالانطلاق بالبوابة الإلكترونية لقمة الصحافة الرقمية الذكية لتصل لجيل الشباب، ولتواكب عصر صحافة الموبايل والذكاء الاصطناعى، وإعادة الريادة للجريدة الورقية كصوت المعارضة الوطنية الرصينة، والمنبر التنويرى الرائد الذى يجمع كبار الكتاب والشباب المبدعين، والذى يثرى الحياة السياسية، والأهم من ذلك، والذى يساعد بقوة على تطبيق ما سبق، هو وضع خطة اقتصادية تضمن حقوق الصحفيين، والاهتمام بتدريبهم على أحدث أدوات الوسائط المتعددة.
وختاما.. فى رأيى إن الوفد عائد بقوة للشارع، لأن خروجه من هذه الانتخابات بهذا التكاتف بين «البدوى» و«سرى الدين» هو الرد العملى على كل من راهن على عدم قوة الحزب، كما أن المرحلة القادمة تفرض على الجميع الاصطفاف خلف الشرعية الانتخابية مع استيعاب الرؤية التحديثية، فالوفد الآن، وأكثر من أى وقت مضى، مطالب بالنزول إلى الشارع، والالتحام بهموم المواطن المصرى، ليعود «بيت الأمة» كما كان دائما، منارة للسياسة، وحصنا للديمقراطية، وصوتا لا يغيب عن وجدان الشعب.