رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

عندما يصبح الكلام جرحًا مفتوحًا، لا يلتئم،
وحين يتحوّل حبر القلم إلى دم، لا إلى كلمات،
نعرف أننا لم نعد نكتب… بل ننزف.
في زمنٍ تُستباح فيه القيم كما تُستباح الأوطان،
يُراق الدم بلا دهشة،
وتُغسل الرشوة من عارها،
فتغدو سلوكًا يوميًا لا جريمة،
ويُعاد تعريف الفساد باعتباره «ضرورة»
في قاموس البقاء.
لم يعد التاريخ يُكتب في الكتب،
بل في منشورٍ عابر،
في “بوست” بلا مصدر،
يتحوّل فجأة إلى حقيقةٍ مقدّسة،
ويُمنح شرعية الذاكرة،
كأن الذاكرة نفسها فقدت حق الاعتراض.
صارت شبكات التواصل الاجتماعي هي المؤرخ الجديد،
تختصر الوقائع،
وتُسطّح الكوارث،
وتمنح الجهل صوتًا أعلى من العقل،
وتكافئ الصراخ أكثر من الفكرة،
حتى غدا الترند بديلاً عن الحقيقة،
والانتشار معيار الصدق.
وحين يصبح الاعتياد أخطر من الجريمة،
ويتحوّل التبرير إلى فضيلة،
ندرك أن الخراب لم يعد استثناءً،
بل نظامًا قائمًا بذاته.
في هذا الزمن،
لا يُقصى الإنسان لأنه أخطأ،
بل لأنه تجرأ على السؤال،
ولا يُعاقَب الفاسد لأنه سرق،
بل يُصفَّق له لأنه أتقن اللعبة،
وأحسن التمويه،
وأجاد ارتداء قناع الوطنية أو الأخلاق.
تُقاس القيم بعدد الإعجابات،
وتُمحى الحقائق إن لم تُناسب المزاج العام،
ويُدفن العقل تحت ركام “الترند”،
بينما يتقدّم القطيع بثقةٍ عمياء
نحو الهاوية،
مُردّدًا ما يُقال له
دون مساءلة أو شك.
أما الخوف…
فلم يعد حالةً طارئة،
بل ثقافةً كاملة،
تُورَّث،
وتُدرَّس ضمنيًا،
ويُعاد إنتاجها في البيوت،
وفي المدارس،
وفي الخطاب العام.
الخوف لم يعد ضعفًا،
بل سياسة،
ولم يعد صمتًا،
بل مهارة اجتماعية للبقاء،
وجواز مرور يومي
في وطنٍ تُدار فيه الحياة
بمنطق:
«لا ترَ… لا تسمع… لا تتكلم».
صار الكذب أكثر راحة من الحقيقة،
وأخفّ وطأة على الضمير،
وصار الصمت حكمة،
والنفاق ذكاءً اجتماعيًا،
والحياد جريمة أخلاقية
تتنكّر في ثوب السلامة.
نعيش زمنًا
لا يُكافأ فيه الصادق،
بل المطيع،
ولا يُحتفى فيه بالمثقف،
بل بمن يُجيد الانحناء
دون أن تنكسر قامته ظاهريًا.
زمنٌ تُقايَض فيه المبادئ بالأمان،
وتُباع فيه الكرامة بالتقسيط،
ويُخيَّر الإنسان بين خيارين لا ثالث لهما:
إما أن يصمت…
أو يُتَّهَم.
وحين يُجرَّم الصوت الحر،
ويُكافأ الزيف،
وتُشيَّد المنصات للرداءة،
نعرف أن المعركة لم تعد على السلطة فقط،
بل على الوعي،
على المعنى،
على ما تبقّى من إنسان داخل الإنسان.
هذا زمنٌ
لا يُهزم فيه المجتمع فجأة،
بل يتآكل ببطء،
حين يتصالح مع القبح،
ويوقّع هدنةً دائمة مع الظلم،
ويتعلم كيف يعيش
بلا كرامة
دون أن يشعر بالخجل.
وحينها فقط،
لا يعود السؤال:
إلى أين نمضي؟
بل يصبح السؤال الأخطر:
متى بدأنا نفقد أنفسنا
دون أن نلتفت؟
كاتب وباحث في الشأن الجيوسياسي والصراعات الدولية.