خارج السطر
أنا خصم كل مستبد، خصيم كل طاغية، ومفارق للحاكم الفرد الأوحد، ومُستاء ممن يتسلطون على شعوبهم جبرا وترهيبا، أولئك القادة المُنتفخين بتملقالمتملقين وتزلف المتزلفين. وأرى أن الاستبداد قرين التخلف، وصانع التبعية، والسبب الأول فى كافة الهزائم الحضارية.
ورغم ذلك، فلست سعيداً باحتجاجات إيران الصاخبة، ولا أثق فى ثورات عمياء، لا يعرف أحد مَن يُحركها، يمولها، يُغذيها، يُؤججها، يوظفها، يستغلها، ولا ما تُفضى إليه.
أدرك أن نظام طهران، نظام مُتسلط، متأسلم، قمعى، اقصائى، مُنتهك لحقوق البشر، وأعلم أن الإيرانيين لم يذوقوا منه على مدى أكثر من أربعة عقود سوى الذل والقهر والحرمان. ولدى سجل ذهنى كبير الصفحات بصور اعدامات وانتهاكات مُزرية ومُحزنة ومشوهة للإسلام جرت على أيدى الحرس الثورى الإيرانى، ومجلسه الروحى المزعوم.
أعرف ذلك جيداً، وأمقته، لكن مَن يُدير الموقف الآن؟ مَن ييُمسك بخيوط اللعبة فى الظلام؟ مَن يوجه موجات الغضب؟ وإلى ما تؤدى ثورة تًصفق لها واشنطن، وتُمجدها تل أبيب؟ مَن يتصور أن المستعمرين الجدد أرحم من مستبدى الوطن؟
لقد رأينا مثل هذا المشهد الدرامى كثيرا فى السنوات الأخيرة. لكننا معشر الشرقيين والمسلمين والعرب لم نتعلم، فكما يقول الفيلسوف الألمانى فريدريش هيجل (1770-1831) عبارته الآثرة فإن «أهم درس تعلمناه من التاريخ هو أننا لا نتعلم من التاريخ».
ومَن يفتش فى ذاكرة التاريخ الإسلامى الوسيط والحديث يجد أن عصور السقوط فى براثن الأعداء، صليبيين ومغول ومستعمرى أوروبا، اتسمت بتفشى الظلم مسبقا، واتساع القسوة من الحاكم تجاه المحكومين، ومن ثم تكرار الانتفاضات ضد المظالم، وهو ما جعل المفكر العظيم ابن خلدون (1332-1406) يقول يوما «إن الظلم مؤذن بخراب العمران».
يضعنا ذلك أمام سؤال منطقى يسأله الناس فى إيران هذه الأيام حول مشروعية المشاركة فى الثورة على النظام القامع المتدثر بعباءات الإسلام والملتحف بقداسة الآئمة، والذى سام الناس خسفا وعسفا؟ هل هذا فعل خير أم شر؟
تبدو الإجابة شديدة الصعوبة، فاسقاط نظام الملالى رغم ما فيه من تخليص للناس من قهر وكبت ومظالم، سيصب فى صالح إسرائيل، وسيحقق مصالح أمريكا فى الهيمنة على دولة قوية ومؤثرة ولها حضارة، فضلاً عن أن السلطة القادمة قد تمارس طغياناً مماثلاً.
كذلك علمتنا التجربة أن الثورات دائما تهدم، ولا تبنى. تُدمر، تثأر، تنتقم، تصفى، وتمحو ما فات، لكنها لا تضيف سوى أوثان جديدة، وربما تنتج طغاة جدد. فالبناءالحقيقى يحتاج عقولا واعية، ونفوسا مُجردة، وقلوباً محبة للأوطان.
من هُنا، أعود إلى السجال القديم المستمر بين رؤية جمال الدين الأفغانى (1838-1897)، وتلميذه محمد عبده (1849-1905) فى إصلاح البلدان، إذ كان الأول يعتمد الثورة وسيلة للإصلاح، بينما تبنى الثانى التربية والتعليم.
وإذا كُنا على مدى قرن ونصف قد جربنا مرارا فى بلادنا الشرقية، العربية والإسلامية، رؤية الأفغانى، فمن حقنا أن نسأل بأمل: متى نجرب رؤية الإمام محمد عبده؟
والله أعلم