مراجعات
على مدار أيام، تابعنا أحداث الفيلم «الهوليوودي» المثير، لمخرج «الروائع»، دونالد ترامب.. قام ببطولته قوات «دلتا» النخبوية الخاصة، ويحكي قصة «اختطاف» الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته، من غرفة نومهما بالقصر الجمهوري!
30 دقيقة ـ مدة عرض الفيلم ـ كانت كافية للتأكيد على أن العالم لم يعد بحاجة إلى أدلة جديدة، لفَهم طبيعة السياسة الأمريكية، إذ يعد «اختطاف» رئيس دولة ذات سيادة، فيلمًا جديدًا، من البلطجة المقنَّعة بالقانون، والهيمنة المتسترة بشعارات الحرية والديمقراطية!
تداعيات فيلم «الأكشن» الجديد، أفرزت هلعًا في أماكن متفرقة من العالم، تحسُّبًا لما يمكن تسميته بـ«قائمة ترامب»، التي تضم أسماء زعماء ودول، قررت واشنطن ـ في لحظة غرور إمبراطوري ـ أنهم خرجوا من بيت الطاعة الأمريكي!
لعل «اختطاف» الرئيس الفنزويلي، ليس سوى إعادة إنتاج أسلوب تجريم السياسة المخالِفة، وتحويل الخلاف إلى قضية أمنية، ثم تبرير التدخل باعتباره واجبًا أخلاقيًا.. هكذا تُختصر سيادة الدول، وتُختزل إرادة الشعوب، في ملفٍ «كيديٍّ» على مكتب المدعي العام الأمريكي!
اللافت أن سياسة الرئيس الأمريكي ترامب لا تقوم على التعقيد الاستراتيجي، بقدر ما تعتمد على عقلية السمسار، أو التاجر الغاضب، الذي يعتمد شعار: «مَن لا يدفع الثمن يُوضع على القائمة، ومَن يرفض يُعاقَب»!
تلك «السياسة الهمجية» التي تنتهجها أمريكا، لا تميز بين دولة وأخرى، ولا وزن فيها للقانون الدولي، لأن العالم ـ وفقَ هذا المنطق ـ سوق مفتوحة ومتنوعة.. البيت الأبيض هو مكتب الإدارة، والبنتاجون الذراع المسلحة للتحصيل!
ربما لا يتسع المجال لذكر أمثلة، على «بلطجة» الولايات المتحدة، وتدخلها السَّافر في الشؤون الداخلية للدول، وإشعال الحروب وإثارة الفتن، وإسقاط أنظمة، وبالتالي فإن ما حدث في فنزويلا، لم يكن استثناءً، بل هو إعلان جديد بأن السيادة مفهوم قابل لـ«الشحن الجوي»!
إذن، القائمة تطول، رغم اختلاف الأدوات وتطورها، لكن يبقى الهدف واحدًا، وهو إعادة ضبط الأنظمة الحاكمة، بما يتوافق مع المِزاج الأمريكي، الذي يمثله «المتعجرف» دونالد ترامب، صاحب السلوك الاستعلائي والتصريحات الوقحة.
كما أن الرئيس الذي يسخر من الأمم المتحدة، ويستخف بالقانون الدولي، لا يرى في العالم سوى بنك أهداف، وهنا تبدو المفارقة، حيث أمريكا التي تدَّعي حماية «النظام العالمي»، هي أول من يدهسه، حين يُعارض مصالحها.. أما الديمقراطية، فهي شعار انتقائي يُرفَع حيث يخدم النفوذ، ويُدفَن حيث يعرقله!
أخيرًا.. إن خطورة السياسة الأمريكية، ليست في سقوط رئيس أو اختطافه، بل في تكريس إدارة العلاقات الدولية بعقلية العصابة لا الدولة، ومنطق القوة لا القانون.. عالم تُكتب فيه «القوائم» في واشنطن، وتُنفَّذ في أي مكان بالعالم.. وبينما يواصل «ترامب» العبث بمفاهيم السيادة والشرعية، يبقى السؤال مفتوحًا: مَن التالي على القائمة؟
فصل الخطاب:
يقول المفكر الأمريكي «نعوم تشومسكي»: «الدول القوية لا تحتاج إلى تبرير أفعالها، فهي تصنع القواعد أولًا، ثم تُقنع العالم بأنها التزمت بها».