أثار الحديث عن اعتراف الاحتلال الإسرائيلي بـالإقليم الصومالي الساعي إلى الانفصال أو ما يسمى ب" إقليم أرض الصومال" ضجةً واسعة في منطقة القرن الإفريقي والشرق الأوسط، بل وعلى المستوى الدولي، نظراً لما تحمله هذه الولاية من أهمية جيوسياسية بالغة الحساسية، وارتباط مباشر بالأمن القومي لعدد من الدول الإقليمية، فضلاً عن انعكاساتها المحتملة على أمن البحر الأحمر وخطوط التجارة العالمية.
ولا يمكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن التحولات الاستراتيجية التي أعقبت طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث كشف الحدث عن انهيار واضح في المنظومة الأمنية للكيان الصهيوني، وهشاشة عميقة في عقيدته العسكرية والاستخباراتية. ورغم المجازر الواسعة التي ارتكبها الاحتلال في قطاع غزة، وما تبعها من عزلة ونبذ دولي، لم يتراجع عن سياساته التوسعية، بل سعى إلى تعويض إخفاقه الأمني عبر التمدد الجغرافي، مستنداً إلى نهج قديم يقوم على إضعاف الدول، وتفكيكها، واستثمار النزعات الانفصالية كأداة استراتيجية لضمان البقاء.
وفي هذا السياق، تبرز جملة من الأسئلة المحورية: ما جذور هذه القضية؟ ولماذا يسعى هذا الإقليم إلى الانفصال عن الدولة الأم؟ وما مصلحة الاحتلال الإسرائيلي في الاعتراف بهذه الولاية في هذا التوقيت تحديداً؟ وما أثر هذه الخطوة على الأمن القومي العربي والدول المطلة على البحر الأحمر؟ وكيف يمكن إفشال أجندة الاحتلال في المنطقة والحفاظ على الصومال دولة موحدة؟
جذور القضية: تقسيم استعماري قديم
عندما وصلت قوى الاستعمار الأوروبية إلى القرن الإفريقي، جرى تقسيم الأراضي الصومالية إلى خمسة أجزاء:
جيبوتي تحت الاحتلال الفرنسي، والصومال الإيطالي الذي شمل الأقاليم الجنوبية والوسطى وبعض مناطق الشمال الشرقي مثل بري ونُغال، فيما خضعت ثلاثة أجزاء أخرى للاحتلال البريطاني، وهي: الصومال الغربي (أوغادين) الذي سلّمته بريطانيا لإثيوبيا عام 1954، وإقليم (NFD) الذي أُلحق بكينيا عام 1963 ويُعرف اليوم بالمحافظات الشمالية الشرقية الكينية، إضافة إلى إقليم صوماللاند.
ويضم هذا الإقليم مناطق تطالب اليوم بالانفصال، إلى جانب مناطق أخرى ترفض ذلك وتتمسك بالوحدة الوطنية، مثل محافظتي سناج وسول، وجزء من محافظة توغدير (بوهودلي)، التي اعترفت بها الدولة الفيدرالية لاحقاً كولاية سادسة(ولاية شمال الشرق) والتي تسيطر مالايقل عن 45% من الاراضي التي يزعم الاقليم الانفصالي انه تحت سيطرته.
كان هدف حركات التحرر الوطني الصومالية المتعاقبة، من حركة الدراويش بقيادة السيد محمد عبد الله حسن، وصولاً إلى رابطة الشباب الصومالية (SYL) التي قادت البلاد إلى الاستقلال، هو تحرير كامل الأراضي الصومالية وتوحيدها في دولة واحدة. غير أن ما تحقق فعلياً اقتصر على توحيد شطري الشمال والجنوب عام 1960، فيما ظل السعي لتحرير بقية الأقاليم قائماً في السنوات الأولى للدولة الصومالية، ما أدى إلى حرب 1964، ثم حرب 1977 مع كينيا وإثيوبيا على التوالي. ولا يزال مشروع «الصومال الكبرى» حاضراً في الوعي القومي الصومالي حتى اليوم.
ومن الجدير بالذكر أن العلم الذي رُفع في هرجيسا في 26 يونيو/حزيران 1960 هو ذاته الذي رُفع في مقديشو في الأول من يوليو/تموز من العام نفسه، وهو العلم الصومالي الأزرق ذو النجمة الخماسية، التي ترمز إلى وحدة الأقاليم الصومالية الخمسة في دولة واحدة.
المسار الداخلي للأزمة
بعد توحيد الإقليمين الشمالي والجنوبي، شعرت بعض العشائر الشمالية بوجود تهميش سياسي، واعتبرت أنها لم تنل ما تستحقه من مناصب ونفوذ، ويغلب على المجتمع الصومالي الطابع العشائري، حيث يتقدم الانتماء القبلي أحياناً على الانتماء الوطني، ومع ذلك استمر الوضع مستقراً نسبياً إلى أن جاء انقلاب عام 1969، الذي أرسى نظاماً عسكرياً احتكر السلطة بيد العسكر.
دخلت الصومال لاحقاً حرباً ضروساً مع إثيوبيا في محاولة لتحرير إقليم أوغادين، ورغم انتماء الدولتين آنذاك إلى المعسكر الاشتراكي، فإن دعم الاتحاد السوفييتي لإثيوبيا أدى إلى هزيمة المشروع الصومالي وفرض هدنة دون تحقيق المطالب الوطنية. أعقب ذلك ظهور جبهات مسلحة هدفت إلى إسقاط النظام العسكري، دون أن يكون تقسيم البلاد ضمن أجندتها، بل كان الهدف إنهاء الدكتاتورية وحكم الحزب الواحد.
غير أن سقوط النظام في يناير/كانون الثاني 1991 أدخل البلاد في مرحلة الحرب الأهلية، نتيجة غياب رؤية استراتيجية موحدة لدى تلك الجبهات، واصطفافها على أسس قبلية. وفي هذا السياق، سيطرت «الحركة الوطنية الصومالية» (SNM) على المناطق الشمالية الغربية، التي يغلب عليها أبناء قبيلة إسحاق، وأعلنت الانفصال من طرف واحد، دون توافق شامل مع القبائل الأخرى.
أسباب اهتمام الاحتلال الإسرائيلي بالقرن الإفريقي
أولاً: دوافع اقتصادية وأمنية
تنظر إسرائيل إلى «أرض الصومال» بوصفها شريكاً محتملاً في مواجهة التهديدات القادمة من اليمن، ولا سيما من جماعة الحوثي، حيث أدت الهجمات البحرية إلى شلل شبه كامل في ميناء إيلات، المنفذ البحري الوحيد للاحتلال على البحر الأحمر.
كما ترى تل أبيب في هذا الإقليم موقعاً استراتيجياً قريباً من أحد أهم طرق الشحن العالمية. وفي ظل إخفاق الولايات المتحدة وإسرائيل، خلال الحرب الأخيرة، في تحقيق ردع عسكري حاسم ضد الحوثيين، تكتسب هذه الجغرافيا قيمة عملياتية إضافية، إذ تتيح للاحتلال العمل من مسرح قريب من مناطق التهديد بدلاً من إدارة المواجهة من مسافات بعيدة، فضلاً عن توفير خيارات مرنة لإعادة التزود بالإمدادات اللوجستية عبر موانئ حيوية مثل ميناء بربرة.
ثانياً: التهجير القسري للشعب الفلسطيني
في هذا السياق، أعلن النظام الانفصالي سابقا استعداده لإعادة توطين سكان قطاع غزة مقابل الاعتراف به كدولة مستقلة ذات سيادة، في خطوة تكشف عن تقاطع خطير بين المشروع الانفصالي المحلي وأجندات الاحتلال الإسرائيلي الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية عبر حلول جغرافية بديلة.
ثالثاً: فشل مذكرة التفاهم مع إثيوبيا
في الأول من يناير/كانون الثاني 2024، وقّع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ورئيس «أرض الصومال» آنذاك موسى بيحي عبدي مذكرة تفاهم منحت إثيوبيا حق الوصول إلى شريط ساحلي بطول نحو 20 كيلومتراً، واستئجاره لمدة خمسين عاماً، بهدف إنشاء قاعدة بحرية عسكرية، إلى جانب استخدام ميناء بربرة منفذاً تجارياً رئيسياً.
وقد شكّل تعثر هذه المذكرة ورفضها إقليمياً ودولياً فرصة للاحتلال الإسرائيلي لملء الفراغ، عبر تقديم نفسه بديلاً قادراً على منح الاعتراف السياسي والدعم الأمني لكيان انفصالي يفتقر إلى الشرعية الدولية.
الآثار الداخلية والإقليمية
إن وصول الاحتلال الإسرائيلي إلى هذا الموقع الاستراتيجي ينذر بإدخال المنطقة في دوامة حروب بالوكالة، وتأجيج صراعات قبلية بين المكونات المحلية، خاصة أن عدداً من القبائل مثل السمرون في محافظة أودل ترفض الانفصال وتتمسك بوحدة الصومال.
وقد يتطور الأمر إلى صراعات إقليمية أوسع، نظراً لتأثير هذا الموقع المباشر على الأمن القومي العربي وأمن البحر الأحمر.
الخاتمة والتوصيات
يبدو القرن الإفريقي اليوم أشبه بدور منطقة البلقان قبيل الحربين العالميتين الأولى والثانية، حين كانت توصف بـ«مشعل البارود» نظراً لحساسيتها الجيوسياسية وقدرتها على إشعال صراعات تتجاوز حدودها.
ولتفادي المخاطر المترتبة على حصول الاحتلال الإسرائيلي على موطئ قدم في هذه المنطقة، تبرز مجموعة من الضرورات، أهمها:
تبني الدولة الصومالية استراتيجية دبلوماسية استباقية لحماية السيادة الوطنية، وتغليب دبلوماسية الوقاية على ردود الفعل المتأخرة، مع معالجة الأزمات الداخلية بالحوار، إذ إن السياسة الخارجية انعكاس مباشر للاستقرار الداخلي.
تعزيز حضور الدولة الفيدرالية في المناطق التي تدّعي السلطات الانفصالية انها تحت سيادتها لكنها لا تسيطرعليها فعليا.
تنسيق الجهود مع الدول العربية والإسلامية التي يرتبط أمنها القومي باستقرار القرن الإفريقي، أو تتقاطع مصالحها الاستراتيجية مع الصومال، وفي مقدمتها السعودية وتركيا ومصر.
باحث صومالي، خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة