أقلام على الطريق: تكتبه نهلة النمر
الكتابة التي لا تعد بالنجاة هي الأكثر صدقًا
فى باب "أقلام على الطريق" نقترب اليوم من تجربة الكاتب حسن غريب أحمد من الداخل، لا بوصفها مسارًا مهنيًا، بل بوصفها تحوّلًا بطيئًا فى العلاقة مع الذات. هنا لا تُقدَّم الكتابة كمهارة تُتقن، بل كاختبار لا يمنح صاحبه يقينًا، يطالبه فى كل مرة بأن يكون أكثر صدقًا.
لقد تشكّل الصوت الإبداعى لدى حسن غريب فى زمن الصمت، حين ضاق بترديد الأصوات الجاهزة، وبدأ يسمع نبرة تخصّه وحده. لم يكن ذلك لحظة فرح، بل لحظة كشف مؤلمة، كأن المرء داخله يواجه صورته الأولى بلا وسائط. من هنا، لم يصبح النشر لديه غاية فى ذاته، بل مخرجًا ضروريًا للنص، يتيح له أن يخرج إلى العالم دون أن يفقد جوهره.
غيّرت الكتابة حسن غريب لأنها أزاحت الزوائد عنه ، وقلّصت المسافة بين ما يُكتب وما يُعاش. فتعلّم أن يكتب ببطء، وأن يتخلّى عن البلاغة التى لا ضرورة لها، وأن ينظر إلى هشاشته لا بوصفها ضعفًا، بل بوصفها مادة للصدق. لذلك، تبدو الأعمال التى يراها ممثّلة له اليوم مختلفة عن نصوص البدايات؛ تلك التى كتبعا بعد أن هدأ الصخب داخله، وبعد أن صار قادرًا على البقاء مع الأسئلة دون استعجال إجابة. أما البدايات، فيتذكرها “غريب” كمحاولات صادقة للتماسك، أكثر منها كتابة ناضجة.
وعندما تُطرح عليه مسألة الصعوبة، يعود بالإجابة دائمًا إلى لحظة الكتابة نفسها. تلك المواجهة الصامتة مع الصفحة البيضاء، حيث لا حماية سوى ما يؤمن به هو. فالنشر لاحق، ومواجهة القارئ احتمال وارد، أما الكتابة فهى الامتحان الحقيقى.
بعد النشر، لا يكتب حسن غريب لقارئ بعينه، بل لقارئ مجهول يشبهه فى القلق والرغبة فى الفهم، قارئ لا يبحث عن الطمأنينة بقدر ما يبحث عن الصدق. ويظل الخوف ملازمًا له؛ خوفًا من أن تفقد كتاباته دهشتها الأولى، أو يتحول صوته إلى عادة، أو أن يُقال ما يُنتظر منه لا ما ينبغي قوله.
لقد تشكّلت ذائقته الأدبية من كتب تركت أثرًا عميقًا وباقيًا، ومن أصوات لم تخشَ العزلة. أما الدرس الذى استقر مع الزمن لديه، فهو أن قيمة النص لا تُقاس بما يثيره لحظة صدوره، بل بما يبقى منه بعد انقضاء الضجيج. وهو يعدنا بأن مشروعه القادم يكون كتابة أكثر صفاءً، أقل ادّعاء، وأقرب إلى تلك المساحة التي يلتقى فيها التفكير بالتجربة الإنسانية العارية.
وتضم إصدارات الكاتب حسن غريب أحمد عدة كتب منها؛ امرأة تعزف على الأسلاك الشائكة، الحب الأول وقصص أخرى، الانحدار إلى أعلى، ديوان لا وقت للآه، رواية تجاعيد على حجر من ذهب، هذه الجثة لى، لتشكل لوحة متكاملة من الإبداع القصصي والشعرى.