السباق وراء "الترند".. كيف أصبح الإعلام الرقمي محركًا للأحداث؟
في السنوات الأخيرة، شهدت الساحة الإعلامية تحولًا جذريًا أثر بشكل كبير على كيفية تناول الأخبار والتفاعل معها، حيث أضحى مفهوم "الترند" هو المسيطر على منصات التواصل الاجتماعي.
وفي إطار هذا التحول، تحدثت الدكتورة هبة صلاح، الباحثة والمترجمة بدار الإفتاء المصرية، عن تأثير هذه التحولات على الثقافة الإعلامية، مشيرة إلى التغيير الكبير الذي طرأ على مفهوم الإعلام والصحافة مع انتقالها من الصحافة الورقية إلى الصحافة الرقمية.
الصحافة الورقية:
ذكرت الدكتورة هبة صلاح، أن جيل الصحافة الورقية تربى على مجموعة من العبارات التي شكلت وجدانه ووعيه الجمعي، مثل "اقرأ الحادثة"، "النتيجة ظهرت"، و"سمعت آخر خبر"، التي كانت تحمل معها لحظات إنسانية ومشاعر مشتركة عاشها الناس بكل حماس، و كانت هذه العبارات أكثر من مجرد كلمات؛ كانت إشارات إلى أحداث مهمة تُجمع عليها فئات المجتمع في لحظات معينة، مرتبطة بذكريات لا تُنسى. إلا أن هذه العبارات والمشاعر اختفت تقريبًا مع التحول الكبير في الإعلام.
الانتقال إلى الصحافة الرقمية: من الحقيقة إلى "الترند"
أوضحت صلاح أن التحول الجذري بدأ مع الانتقال من الصحافة الورقية إلى الصحافة الرقمية، وهو ما غيّر تمامًا طريقة تفاعل الناس مع الأخبار. في هذا السياق، ظهر مفهوم "الترند"، وهو مصطلح أجنبي تم تعريبه مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي. كان في الأصل مصطلحًا اقتصاديًا يشير إلى حركة الأسعار، ولكنه أصبح في المجال الرقمي يعبر عن أكثر الموضوعات التي تحقق تفاعلًا واسعًا بين المستخدمين، أو ما يُعرف بالـ "ريتش". ومن هنا ظهر مفهوم "الترند"، الذي أصبح المحرك الأساسي لصناعة الاهتمام الإعلامي في الوقت الراهن.
الترند: إيجابيات وسلبيات في المجتمع الرقمي
وأضافت صلاح أن الترند، رغم ما يحيط به من سلبيات، لا يمكن إنكار الجوانب الإيجابية التي أتاحها، حيث ساهم في تسليط الضوء على قضايا كانت عالقة لفترات طويلة مثل قضايا المرأة (التحرش، وختان الإناث، زواج القاصرات، العنف ضد النساء، وتعيين المرأة في القضاء)، فقد نجح "الترند" في تحريك الرأي العام وتوجيه أنظار صناع القرار لهذه القضايا، مما دفع العديد من الجهات المعنية إلى اتخاذ خطوات حاسمة لمعالجتها.
ثقافة "الترند": السباق الجماعي والوعي الأخلاقي
لكن صلاح أشارت إلى أن أخطر ما في ثقافة "الترند" هو خلق حالة من السباق الجماعي حيث يركض الجميع دون أن يعرفوا وجهة هذا السباق أو عواقبه. فالمشاركة في الترند باتت سمة العصر، لكن السؤال الحقيقي هنا ليس "هل نشارك في الترند؟"، بل "كيف نشارك؟"، فالمشاركة في الترند هي حق مكفول للجميع، ولكن لابد من مراعاة الميزان الأخلاقي والديني، كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فليقل خيرًا أو ليصمت".
الحفاظ على الوقت والطاقة: استثمار الوعي في الإعلام الرقمي
وأكدت الباحثة في حديثها على ضرورة الحفاظ على الوقت والطاقة، مشيرة إلى أن هذه هي أثمن ما يملك الإنسان. واستشهدت بالمثل الشعبي: "الباب اللي يجي لك منه الريح سده واستريح"، داعية إلى وعي أكبر قبل الانخراط في سباق الترند، حتى لا يصبح الفرد جزءًا من "ضجيج بلا أثر"، فليس كل تفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي مفيدًا، بل يجب أن يكون هناك انتقاء ووعي في المشاركة بما يخدم المصلحة العامة ويعزز من قيم المجتمع.

