أوراق مسافرة
هناك شفرة رئيسية تتصدر تلال الفساد الذى نعانى منه، كلمة الشفرة هى «المحليات»، يجب أن نقولها صريحة بأن صلاح أداء المحليات بمجالسها يشكل النسبة العظمى من القضاء على هذا الكم من الفساد الآسن، المحليات هى المسئولة عن سير الخدمات المتعلقة بالمواطنين بفعالية وكفاءة دون تمييز أو استغلال للنفوذ للمفاضلة بين مواطن وأخر فى الخدمة أى كان مركز أو وظيفة هذا المواطن، ولأن دورها تنفيذ ومراقبة خطط التنمية لذا فهى وثيقة الصلة بحياتنا وبيوتنا ومعيشتنا بدءً من لوائح البناء، التعمير، التطوير، الصحة العامة، الطرق المحلية والأرصفة، الحدائق وملاعب الأطفال، المكتبات، قضايا البيئة المحلية، وصولا إلى التخلص من النفايات بجانب العديد من الخدمات الأخرى، ومن منطلق كل هذه الأدوار المنوطة بها المجالس المحلية فلن أتردد فى توجيه معظم أصابع الاتهام إليها فى هذا الفساد المستشرى فى حياتنا.
فساد المحليات يقف وراء الاستيلاء على أراضى الدولة، البناء المخالف، تدهور خدمات الصحة والتعليم، القاذورات التى تضج بها الشوارع حتى فى أرقى الأحياء، اختفاء الحدائق العامة والأماكن الشعبية للعب الأطفال والتى تعد التعويض الجيد للطبقات الفقيرة والبسيطة التى لا يمكنها الاشتراك فى أندية اجتماعية ودفع عشرات الآلاف قيمة الاشتراكات، فساد المحليات وراء الهدم والردم ثم الهدم للطرق والميادين أكثر من مرة فى العام والجيوب المفتوحة ومقاولات الباطن ونهب أموال الدولة، وراء الفوضى فى شوارعنا من إحتلال للأرصفة والشوارع من قبل الباعة الجائلين والبلطجية الذين يفرضون الإتاوات على المواطنين وعلى سياراتهم وكأنهم اشتروا شوارع المحروسة لحسابهم تحت حماية الصمت المريب من المحليات، بل ويردد بعض بلطجية الشوارع بأنهم يعملون تحت رعاية وموافقة أعضاء من المجالس المحلية مقابل تقاسم محصلة تلك الإتاوات.
لكل هذا تعد المحليات الأم الحاضنة للفساد فى المقام الأول «إلا من رحم ربى» لأنها الجهة التى تتعامل وتتفاعل من المواطنين بصورة مباشرة قد تفرز معها الألفة والتقارب والمصالح المتبادلة أو المشتركة، وبالتالى ينجم عنها هذا الرشوة، المحسوبية، منح الامتيازات دون وجه حق، استغلال النفوذ، الابتزاز، وغيرها.
فساد المحليات سيستمر ويتوحش مع غياب دور لجان الرقابة الإدارية وهو ما دفع بمصر لأن تنحدر أكثر فى المؤشر العالمى الصادر عن منظمة الشفافية العالمية التابعة للأمم المتحدة، والتى سجلت، مع الأسف، تراجع مصر فى القدرة على محاربة الفساد إلى المرتبة 130 من أصل 180 دولة، فيما تسجل الدولة الأكثر شفافية والخالية من الفساد فى العالم المعدل صفر فى القائمة، والرقم ١٣٠ يكشف فداحة الفساد الذى تم رصده فى كافة القطاعات، كما تسجل مصر 30 درجة من 100 درجة فى تقييم أداء مكافحة الفساد داخل المؤسسات العامة، وهى نسبة تعد الأسوأ لبلدنا مقارنة بعقد مضى.
ولا يجب تجاهل أن الفساد لن يمكن محاربته والقضاء عليه فى ظل عدم تطبيق القوانين بعدالة وقوة على الجميع، تنفيذ الأحكام القضائية وعدم السماح بالإفلات من العقاب، تشديد العقوبات على كل من يضر بالمال العام والمصالح العامة والخدمية المرتبطة بالمواطنين، تشريع قوانين صارمة لحماية الشهود على الفساد وكل من يكشف أو يبلغ عن أى نوع من الفساد، تفعيل أعمال اللجان الوطنية لمكافحة الفساد، السماح بوجود رقابة شعبية من خلال المجتمع المدنى بما يمنع حدوث الفساد داخل الجهات الرقابية نفسها، تأكيد وفعيل وجود لجان مكافحة الفساد بالمحليات، إطلاق الحريات الصحفية والاعلامية للكشف عن الفساد دون خوف، وقبل كل هذا وضع استراتيجية وطنية لمحاربة الفساد، وهو الأمر الذى من شأنه تحقيق التكامل والتكاتف بين كل الجهات الرقابية، فلا تعمل أى منها فى جزر منعزلة، لأن هذا التباعد فى الجهات الرقابية أدى إلى حدوث فساد أيضا داخل بعض الجهات الرقابية نفسها، فأصبح الرقيب فاسدا لضمانه عدم وجود رقيب أخر عليه أو فوقه، فتغلغل الفساد فى المؤسسات العامة إلى الحد الذى عامة الشعب «مافيا الفساد» أو دولة للفساد داخل الدولة.. وللحديث بقية.
[email protected]