رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

عاد التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليحتل صدارة المشهد الإقليمي. ضربات إسرائيلية استهدفت منشآت نووية داخل إيران، أعقبها رد صاروخي إيراني، فيما تقف واشنطن في موقع الداعم والحذر في الوقت نفسه، مدركة أن أي تصعيد غير محسوب قد يدفع المنطقة إلى مواجهة واسعة، وكثرة التفسيرات التي تربط ما يجري بمشاريع تقسيم الشرق الأوسط أو إعادة رسم خرائطه، فإن القراءة الأقرب إلى الواقعية هي تلك التي تنطلق من منطق ميزان القوى في العلاقات الدولية.

وفي عالم السياسة الدولية يبرز التباين بين عالم السياسة الأمريكي جون ميرشايمر، الذي ينتمي إلى مدرسة الواقعية الهجومية، وكونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، كمثال حي على صراع الرؤى الاستراتيجية تجاه إيران والشرق الأوسط.

ميرشايمر يقدم إطاراً تفسيرياً يركز على الدافع الأساسي للدول، مثل البقاء وتعظيم القوة في نظام دولي فوضوي خالٍ من سلطة مركزية، فمن هذه الزاوية تُفسر الضربات العسكرية ضد إيران كعملية مباشرة لإضعاف قدراتها الاستراتيجية، خاصة البنية التحتية العسكرية والنووية، وذلك لمنعها من التحول إلى قوة إقليمية مهيمنة في الخليج والشرق الأوسط، فهذا النهج واقعي بحت يتجاهل القيم أو الأيديولوجيا، ويرفض نظريات المؤامرة مثل التقسيم العرقي، معتبراً التركيز على القدرات العسكرية هدفا واضحاً وكفؤاً.

أما رايس فتمثل الجانب الآخر من الاستراتيجية الأمريكية، حيث برز خطابها عام 2006 كأساس لمفهوم "الشرق الأوسط الجديد"، هذا التصور لا يقتصر على الضربات العسكرية المباشرة، بل يشمل ورقة "التفكيك الداخلي" من خلال تحريك الأقليات العرقية في إيران  كالأكراد والبلوش والعرب والأذريين، لتقويض التماسك البنيوي للدولة المركزية قبل أي مواجهة خارجية مفتوحة، هكذا تتجاوز رؤية رايس الواقعية الهجومية إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الإقليمية بأكملها، مدعومة بدوائر نافذة في واشنطن، لتوزيع موازين القوة بما يخدم المصالح الأمريكية طويلة الأمد.

وفي سياق التنسيق الاستراتيجي المتصاعد بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، تتداول تقارير غربية تصوراً جديداً لإدارة المواجهة مع إيران يتجاوز أدوات الضغط التقليدية، فلم يعد الحديث مقتصراً على العقوبات الاقتصادية أو الضربات الجوية المحدودة، بل يتجه نحو ما يمكن تسميته باستراتيجية الأطراف، أي نقل مركز الثقل من الخارج إلى الداخل الإيراني، عبر توظيف الهامش الجغرافي والعرقي كأداة ضغط مركّبة، حيث يقوم هذا الطرح على تفعيل ما يشبه «أحزمة النار» المحيطة بالمركز الإيراني، من خلال استثمار التنوع القومي في الأطراف الحدودية كالأكراد في الشمال الغربي، والبلوش في الجنوب الشرقي، والعرب في إقليم الأهواز جنوباً، بما يحول هذه المناطق إلى مساحات استنزاف متزامنة مع أي تصعيد خارجي.
ووفق هذا التصور يصبح الداخل الإيراني ساحة ضغط موازية، تُربك حسابات طهران الدفاعية وتفرض عليها إعادة توزيع مواردها العسكرية والأمنية.
ومع ذلك تظل الولايات المتحدة أمام معضلة استراتيجية معقدة، فكما يشير ميرشايمر في كتابه اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية، فإن الدعم الأمريكي لإسرائيل لا تحكمه دائمًا حسابات القوة الباردة فقط، بل يتأثر أيضًا بعوامل داخلية وضغوط سياسية، فكلما تعمقت الصراعات في الشرق الأوسط، اتسعت دائرة الخصوم المحتملين لواشنطن وتآكلت مصداقيتها الدولية.

ليبقى السؤال الحاسم:
هل تنجح استراتيجية الضربات الاستباقية والضغوط غير المباشرة في احتواء إيران دون الانزلاق إلى حرب شاملة؟ أم أن منطق التصعيد المتبادل سيقود المنطقة مرة أخرى إلى مواجهة مفتوحة قد تعيد تشكيل خريطة التوازنات في الشرق الأوسط؟