أطفال وكبار يفترشون الرصيف
أطفال وكبار يفترشون الرصيف
فى قلب العاصمة، وعلى أطراف الشوارع الهادئة حينا، والصاخبة حينا آخر، تصادفنا أجساد بشرية ممددة على الأرصفة، متدثرة بقطع قماش بالية، تحتضنها الأرصفة الباردة.
هذه الظاهرة ليست مشهداً عابراً، وإنما تزداد كل يوم لتمثل وصمة عار فى جبين الحكومة التى اتخذت «الجباية» منهجا لها، ففقد كثير من الناس بيوتهم، وأصبحت الشوارع مأواهم.. بينهم رجال، وأيضا نساء، وما أكثر الأطفال الذين لا يجدون أسرة تحنو عليهم، اختارهم الشارع أو اختاروا الشارع، لا فرق، النتيجة واحدة: «مواطنون بلا مأوى»، أو كما يسميهم البعض «النائمون على الأرصفة».
قصص مأساوية يعيشها العديد من المواطنين الذين خرجوا من حسابات الحكومة.. عم سعيد، خمسينى فقد مأواه بعد أن عجز عن دفع الإيجار، يقول بصوت خافت ملؤه الحسرة والألم على العمر الذى ضاع: «كنت ساكن فى أوضة على السطوح، صاحب البيت طلب منى إخلاءها.. معاشى لا يكفى حتى الأكل.. لقيت الرصيف أرحم من السؤال».
أم سيد التى تجاوزت الستين، تقول باكية: «نفسى ألاقى سرير أنام عليه.. بس خلاص، الرصيف بقى بيتى».
فى أحد شوارع حى العتبة، يجلس كمال، شاب فى منتصف العشرينات، يضع حقيبة مهترئة تحت رأسه، ويرتدى ملابس بالية متسخة. يقول: «أنا خريج كلية تجارة، كنت بشتغل فى محل واتسرحت، قعدت أدور على شغل كتير ومفيش، والبيت فيه مشاكل، أمى ماتت وأبويا متجوز، ولقيت نفسى فى الشارع فجأة». كمال يرفض الذهاب إلى دور الرعاية لأنه – بحسب قوله – «المكان بيكون زحمة ومفيهوش أمان، وكتير من الناس هناك بيتخانقوا أو بيسرقوا بعض».
وأضاف بحزن: «أنا مش عايز حاجة غير إنى أشتغل وأنام فى أوضة لوحدى وأعيش بكرامة.. بس الظاهر إن حتى الحلم ده بقى صعب».
وعلى كوبرى الجلاء بالدقى، تجلس أم محمد، سيدة فى الأربعينات، بصحبة ثلاثة من أطفالها، يتوسدون بعض الأكياس، ويلتحفون ببطانية خفيفة لا تقى من برد الليل. تقول بصوت يملأه الانكسار: «هربت من جوزى بعد ما كان بيضربنى أنا والعيال، ومليش أهل ألجأ لهم. نمت أول يوم فى الشارع وخفت، وبعدها اتعودنا. دلوقتى ببيع مناديل عشان أأكل العيال، وبنام هنا تحت الكوبرى، هو ده بيتنا».
ابنتها الصغيرة، ذات الستة أعوام، تنظر للمارّة بعينين ذابلتين، بينما أخوها الأكبر يحاول إشعال شمعة صغيرة للحصول على بعض الضوء.
تتابع أم محمد: «مش عايزة حاجة، بس نفسى فى أوضة نحتمى فيها، ونبطل نسمع كلام جارح من اللى بيعدّوا علينا. العيال نفسهم يروحوا مدرسة، بس مين هيصرف؟».
قالت هويدا إبراهيم، مديرة إحدى الجمعيات العاملة فى مجال دعم المشردين: «الظاهرة فى تزايد، ونواجه تحديات كبيرة على الأرض. الجمعيات الأهلية تبذل مجهوداً كبيراً، لكن الإمكانيات محدودة، ونحتاج إلى دعم رسمى أكبر، وتنسيق فعّال مع الحكومة».
وأضافت: «المشكلة ليست فى غياب النية، بل فى غياب التخطيط طويل المدى، وعدم وجود قاعدة بيانات موحدة. الحل يبدأ من رصد الحالات وتوفير وحدات تدخل سريع، ثم توفير سكن دائم وبرامج تأهيل نفسى واجتماعى».
بحسب تقارير صادرة عن منظمات مجتمع مدنى، فإن عدد من يبيتون فى الشارع ارتفع فى السنوات الأخيرة، رغم جهود الدولة فى إنشاء دور للرعاية ومبادرات «حياة كريمة».
لكن التساؤل يظل مطروحًا: لماذا ما زال هناك من يفترشون الأرصفة؟ هل هى أزمة موارد؟ أم بيروقراطية فى التنفيذ؟ أم أن المشكلة أعمق، وتحتاج إلى حلول جذرية وشاملة؟
يا حكومة، هؤلاء لا يطلبون القصور، كل أملهم سقف يحميهم من المطر، وجدار يسترهم من البرد، وسرير يحفظ ما تبقى من كرامتهم.
«النائمون على الأرصفة» ليسوا مجرد مشهد يمر به المواطنون كل صباح، بل هم مأساة إنسانية تستحق أن تكون على رأس أولويات السياسات الاجتماعية، لا هامشاً فيها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض