تأملات
ليس فى عنوان هذه السطور أى نوع من الخفة، أو مسايرة الأحداث والسلام، وإنما هو تعبير عن حقيقة واقعة وماثلة لا تخطئها العين، مؤداها أننا نمر بمنعطف تاريخى حاد، ربما لم نواجه مثله كعرب منذ عقود. المشكلة أن الخطر الذى نقصده ونشير إليه يأتى فى وقت غير مناسب، حيث نعيش أكثر لحظاتنا ضعفًا، رغم المؤشرات التى تشير إلى أن رد الفعل لن يعكس مثل هذا الضعف.
صحيح أنه ربما لا يكون خطرًا يمس العرب وحدهم، ولكنهم الأكثر تضررًا منه، ويتمثل فى تلك الأفكار التى لم يخطئ البعض فى وصفها بالجنون من القابع الجديد فى البيت الأبيض الرئيس ترامب. لا يأبى الرئيس منذ توليه مهام الحكم سوى أن يتفوه بما يهز استقرار الأصدقاء قبل الخصوم، مع تجاوز كل ما تتطلبه قواعد العلاقات الدبلوماسية. لا يكاد يمر يوم إلا ويخرج علينا بتهديد أو بوعيد أو بجحيم إن لم نسمع كلامه، وفى ذهنه أنه يملك مقدرات الكون الذى نحيا فيه.
طبعًا من الممكن وقد يكون من الأفضل وفق البعض، أن تؤخذ هذه المواقف على أنها تعكس الخفة التى عليها شخصية ترامب، وبدت فى مواقف له فى قضايا دولية أخرى سرعان ما تراجع بشأنها.
لكن دراسة نمط شخصية ترامب ونفسيته وآليات تفكيره، ربما تشير إلى أن الأمر يجب أن يؤخذ على نحو مغاير بالنسبة لنا كعرب. فهو رجل مباشر يتعامل بعقلية التاجر، ويقدم أو يؤخر فى حدود تصوره لقدرات الطرف المقابل. ولعل موقفه من روسيا مثلًا أو حتى الصين فى حدود معينة يفسر هذا الأمر، حيث يميل إلى نوع من المهادنة مع الأولى والاشتباك عن بعد مع الثانية فى ضوء إدراكه لحجم قوتهما ومساحة تأثيرهما فى النظام الدولى.
باختصار يتصور ترامب للأسف أن العالم العربى هو «الحائط المائل» الذى يمكن بل يجب أن يتم الاتكاء عليه وبقوة من أجل هدمه، ومدخله فى ذلك هو القضية التى تمثل نقطة ضعفنا وهى القضية الفلسطينية وفى القلب منها غزة.
محصلة الطروحات التى يقدمها ترامب لمستقبل المنطقة وفى القلب منها ذلك الطرح الشاذ والنشاز بشراء غزة وكأنها قطعة أرض فى بلاده، هو التراجع بمستوى الطموحات العربية والفلسطينية لقضيتهم، إن لم يكن تصفية القضية ككل لحد لا تعد معه هناك قضية فلسطينية، وبأيدى العرب وفى المقدمة منهم مصر والأردن، الدولتان اللتان أكثر ما ابتليت وعانت بسبب دفاعهما عن الفلسطينيين.
أعتقد أن ذلك أكبر خطر يمكن أن يواجهه العرب فى هذا القرن، وهو ما يتطلب آليات للتعامل معه، وخطط طوارئ تتطلب تجاوز الخلافات الضيقة سواء بين الدول العربية ذاتها أو تلك القائمة داخل القطر الواحد، ورغم أن الدفاع عن فلسطين أوجب ما يكون، إلا أننا فى ذلك لا ندافع عن فلسطين فقط، وإنما عن الوجود العربى ككل، ويكفى هنا الإشارة إلى ترهات نتنياهو التى راح فيها يطالب السعودية بإقامة دولة فلسطينية على أرضها.
رغم الضعف العربى فإن الأمل أن حجم الخطر ربما يفرز رد فعل موازيًا يقوض مخططات ترامب والتى تهدف إلى تحقيق خطط الدولة العبرية وتقديمها لها على طبق من ذهب. فى تاريخ الأمم والدول هناك أخطار لا بد من مواجهتها مهما كانت التضحيات، لأنها فاصلة فى مسيرتها التاريخية. الآمال هنا معلقة على الموقف المصرى والذى وقف بصلابة وبأشكال مختلفة فى مواجهة رؤى ترامب. وسط عالم متلاطم ربما يكون من الصعب التنبؤ بما ستئول إليه الأمور، وإن كان يمكن اعتبار مهلة ترامب لحماس بشأن الأسرى السبت المقبل.. المحطة الأولى على طريق كيفية مسار المواجهة ومسار الخطر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض