الراوى
«ليست كل الحكايات للتسلية… بعضها مرآة، نرى فيها ما لا نحب أن نراه».
يحكى أن رجلًا اختلف مع صديقه ذات يوم، وارتفع بينهما صوت العتاب حتى انصرف كل منهما وفى قلبه شيء من الآخر. وبعد ساعات، أدرك الرجل أنه أخطأ، وأن كلمة واحدة كان يمكن أن تنهى كل شيء: «آسف». لكنه ظل يؤجلها.. يومًا بعد يوم، حتى أصبح الاعتذار فى نظره أصعب من الخصام نفسه.
مرت الأيام، وكبر الصمت، وصار كل طرف ينتظر من الآخر أن يبدأ. ولم تكن المشكلة أن أحدهما لا يعرف أنه أخطأ، وإنما أن كان يخشى كلاهما أن تبدو كلمة الاعتذار انتصارًا للآخر وهزيمة له.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
نحن نعيش أحيانًا أسرى لصورة نصنعها لأنفسنا؛ صورة الإنسان الذى لا يخطئ، ولا يتراجع، ولا يعتذر. نخلط بين الاعتذار والضعف، وبين التراجع عن الخطأ وانكسار الكرامة، وكأن الاعتراف بالحقيقة ينتقص من قدر صاحبها، بينما الحقيقة أن الإنسان لا يكبر حين يصر على خطئه، وإنما يكبر حين يمتلك شجاعة مواجهته.
فى بيوتنا، كم من خصومة طويلة بدأت بكلمة قاسية، ثم تضخمت لأن أحدًا لم يملك شجاعة الاعتذار! وكم من صداقة انتهت بسبب موقف كان يمكن أن تنقذها جملة قصيرة! وكم من علاقة إنسانية تحولت إلى جليد، ليس لأن المشاعر ماتت، ولكن لأن الكبرياء وقفت حارسًا على بابها ومنعت كلمة «آسف» من العبور!
الأخطر من ذلك أن البعض لا يكتفى بعدم الاعتذار، بل يبدأ فى البحث عن مبررات لخطئه، ثم يحاول إقناع الآخرين بأنهم هم السبب. وهنا لا يعود الأمر مجرد كبرياء، وإنما يتحول الخطأ إلى موقف، والموقف إلى عناد، والعناد إلى قطيعة.
وفى أماكن العمل، قد يكون الاعتذار أكثر أهمية؛ لأن الخطأ لا يخص صاحبه وحده، بل قد يمتد أثره إلى فريق كامل أو مؤسسة بأكملها. والمسئول الذى يعترف بخطئه لا يفقد هيبته، بل يرسخ الثقة فيمن حوله؛ لأن الناس لا تبحث عن إنسان معصوم من الخطأ، وإنما عن إنسان صادق فى التعامل معه.
وليس معنى الاعتذار أن نعيش منكسرين أمام الآخرين، أو أن نقدم اعتذارات مجانية عن كل شيء. هناك فرق بين الاعتذار عن خطأ حقيقى، وبين التنازل عن الكرامة؛ فالاعتذار الصحيح لا يلغى صاحبه، بل يعيد العلاقة إلى مكانها الطبيعى، ويضع كل إنسان أمام مسئوليته.
ربما نحتاج أن نعيد تعريف القوة من جديد؛ فالقوة ليست دائمًا فى أن تقول: «أنا على حق»، وإنما قد تكون فى أن تنظر إلى من أمامك وتقول بثبات: «كنت مخطئًا».
وفى نهاية الحكاية، ربما لم يكن الصديقان يحتاجان إلى جلسة طويلة، ولا إلى شهور من العتاب.. كانا يحتاجان فقط إلى كلمة تأخرت كثيرًا.
آسف.
كلمة صغيرة فى حروفها، لكنها أحيانًا تحمل من الشجاعة ما لا تحمله خطب طويلة.
ويبقى السؤال الذى يتركه الراوى أمام المرآة: كم علاقة خسرناها لأننا كنا نملك شجاعة الخصام، ولم نملك شجاعة الاعتذار؟
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض