على فكرة
سواء صح أن إيران اعترضت على اختيار خالد مشعل رئيسًا للمكتب السياسى لحركة حماس خلفًا لإسماعيل هنية، أو أن ذلك كان جزءًا من الدعاية الإسرائيلية التى بات من المعتاد أن تروج لها وسائل الإعلام الأمريكية والغربية الموالية لإسرائيل، فمن المؤكد أن تولى يحيى السنوار رئاسة الحركة، ليس بعيدا عن المساندة الإيرانية، لاسيما بعد أن اتجهت الانظار نحو «خالد مشعل» فور حادث الاغتيال، متنبئة بتوليه رئاستها. فالكرامة المجروحة فى إيران بعد اغتيال هنية فوق أراضيها، وفى مناسبة يفترض أن تكون القوى الأمنية بها فى أعلى درجات استعداداتها، هى حفل تنصيب الرئيس الإيرانى الجديد «مسعود بزشكيان» بعد فوزه فى الانتخابات الأخيرة، سوف يملى على الإدارة الإيرانية مواقفها. وكما هى العادة، فإن تلك المواقف تتشكل أولًا من الخارج، بتحريك أذرعها الإقليمية فى حزب الله فى لبنان وحركة انصار الله الحوثية فى اليمن، وحركة حماس فى غزة، فضلا عن الميليشيات الشيعية التابعة لها فوق الأراضى السورية والعراقية.
لم يكن خاليًا من الصدفة، أن يأتى فى مقدمة التصريحات الأولى الخارجة من غزة، إعلان حماس بعد تقلد يحيى السنوار زعامتها، أن الحركة جاهزة لمواصلة المفاوضات. وعلى عكس كثير من التوقعات، فإن حركة حماس بعد أن وحدت المستويين السياسى والعسكرى فى شخص السنوار، أضحت أكثر قدرة على اختصار كثير من الوقت المشتت بين الداخل والخارج، وأكثر بعدًا عن الضغوط الأمريكية التى مورست على ممثليها فى قطر، وربما أكثر قربًا من موازنة قرارها فى التفاوض وفى قلب الميدان، بما يجنبها مزيدا من الخسائر، هى والأثنى عشر فصيلا من فصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى، التى شاركت معها فى هجوم السابع من أكتوبر، ولاتزال تعمل معها جنبا إلى جنب داخل معارك الميدان.
الاستنتاجات التى خلصت باستعجال إلى القول، بأن الحرب فى غزة قد دخلت طريقا مسدودا بتولى السنوار زعامة حركة حماس، تتجاهل أن السنوار وافق على مفاوضات تفضى لوقف الحرب وإبرام صفقة لتبادل الأسرى والرهائن، وأن الأمور ما تكاد تقترب من توقيع صفقة بذلك، حتى يفشلها نتيناهو لكى يبقى فى السلطة، ولا يضطر للاستجابة لضغوط الجيش، بالدعوة إلى انتخابات مبكرة، بديلا للانتظار حتى يحين موعدها الرسمى خريف عام 2026.
أمام حماس ورفاقها من فصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى، فرصة الآن للاتفاف على النفق المظلم الذى تريد إسرائيل فرضه على الشعب الفلسطينى الصامد فى وجه نازيتها الجديدة. وليس أقل من الاتفاق الآن وليس غدًا، على موقف موحد، تعلن به حماس إنهاء انقسامها عن منظمة التحرير الفلسطينية، والاعتراف بها الممثل الشرعى الوحيد للشعب الفلسطينى. والعمل على تقديم تصور مشترك لما بعد انتهاء حرب غزة، قبل أن تبدأ إجراءات التصويت فى الانتخابات الأمريكية فى نوفمبر المقبل. اتفاق ينطوى على المبادئ التى وافقوا عليها فى مفاوضات الوحدة التى جرت بينها الشهر الماضى، فى العاصمة الصينية بكين، والتزمت خلاله الفصائل بتوحيد المؤسسات الفلسطينية، وانهاء كل اشكال الانقسام، والعمل على تشكيل حكومة وحدة وطنية مؤقتة لإدارة غزة، لحين إجراء الانتخابات العامة. ذلك إذا أردنا تخفيف المعاناة عن الشعب الفلسطينى وتلمس طريق المستقبل، وتحرير القرار الفلسطينى من براثن المصالح الإقليمية المتضاربة.