رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السرب

كثيراً ما تنتابنى حالة من النوستالجيا؛ أحن فيها إلى أيام الماضى الجميل، بكل ما يتعلق به من أجواء ساحرة فريدة أفتقدها فى حاضرنا الآن، وذلك فى كل ما يحيط بى من المكان والزمان والناس والأخلاقيات... إلخ، أفتقد إلى بهجة الأعياد والمناسبات زمان، وألعاب وأصدقاء زمان، أفتقد ما كنا نستمع إليه من ألبومات وأغان «بتكسر الدنيا وقتها»  نستمع إليها عبر الكاسيت «أبوشرايط»، وأفلام السينما الصيفية وجهاز الفيديو. أحن إلى كل ذلك رغم تطور كل شىء من حولنا والذى من المفترض أن يكون إلى الأفضل، «ولكنه ليس بالضرورة أن يكون كذلك بالنسبة لى».
وثمة جزء لا يتجزأ من هذه النوستالجيا التى تنتابنى يتعلق بالطعام، فأجد نفسى تتوق لأكلات زمان وطبخات زمان مما لم أعد أتناولها منذ زمن بعيد بل تكاد تندثر الآن، فيمر بذهنى العديد منها وكان بعضها يمثل ما يشبه الطقوس الثابتة أسبوعياً، فمثلاً كنت أعرف الخميس من كل أسبوع بأكلة «الملوخية بالفراخ» مع طشة الثوم «وشهقتها الشهيرة» والتى كانت تجيد أمى -يرحمها الله- طبخها وتعبق أجواء المنزل من حولى فيجرى ريقى فى حالة من النهم ونفاد الصبر لانتظار بقية الأسرة عندما يتجمع شملنا لنتناول الغداء معاً، وهو الطقس الذى ما زلت أنعم به إلى الآن، «بفضل زوجتى التى تجيد عملها حفظها الله!!»، فما لا يُدرك كله لا يُترك كله.
ومن الطبخات التى أشتاق إليها كثيراً والتى كادت تندثر من قاموس مطبخنا، «البصارة» التى تصنع من الفول المقشر مع البقدونس والشبت والكزبرة ثم تضاف إليها البصل المحمر والتوابل، فكانت بمثابة طبق من أشهى الأطباق خاصة فى الشتاء وكذلك «الكِشك الصعيدى» الذى يتكون من القمح أو الدقيق، مع إضافة المرق (شوربة لحم أو دجاج)، والبصل المحمر كزينة، والتوابل مثل الملح والفلفل الذى كنت أهيم به فى الماضى، وكذلك «الويكا» وهى عبارة عن بامية تجفف تماماً ثم تطحن ثم توضع على مرق اللحمة أو الفراخ بعد أن «يشوح» فى السمن وكانت تؤكل مع العيش البلدى والأرز وتعد من أشهى الوجبات أيضاً، ولا مانع أيضاً من وقت لآخر من وجبة خفيفة من «الجبنة الفلاحى» و«الفول الحراقى» الأخضر، و«الكوسبارية» بالدمعة، والفول النابت بالليمون، وهى كلها أكلات رغم بساطتها فإنها كانت تتمتع بلذاذة الطعم وفائدتها الغذائية الكبيرة.
ولا تكاد تسأل من حولك من زملاء أو أصدقاء عن طبخة أو أكلة ما أو طقس لتناول الطعام فى الماضى أو إحدى الوجبات التى يشتاق لتناولها الآن إلا ويذكر لك بالتأكيد إحداها، كل حسب نشأته أو بيئته أو طقسه الأسرى الخاص، ويختلف ذلك باختلاف المدن والقرى المصرية «قبلي عن بحرى، ساحلى عن جنوبي»،  فمثلاً ذكر لى أحد الأصدقاء «وهو بالمناسبة من الشرقية»، «المفروكة» وهى إحدى الأكلات يستخدم فيها الدقيق الذى يخبز ثم يوضع فى الفرن ومن ثم يفرك ويوضع عليه اللبن ليصير طعمه ألذ ما يمكن أن تتخيله -حسب وصفه- وهكذا تتعدد الأكلات وتعلو آهات التمنى على زمان، وأكلات زمان.
ولا شك أن تلك الأكلات تفوق كثيراً فى قيمتها ما نراه الآن من وجبات سريعة انتشرت انتشار ثقافة التيك أواى الأمريكانى الذى يخلو من «اللذاذة» أو حتى الفائدة الغذائية، فتجد صنفاً كثيراً منها لا لون ولا طعم، مثل الإندومى والهامبورجر ووجبات الكنتاكى بالكاتشب، بما فيها من مواد حافظة تضر أكثر مما تنفع وسائر الوجبات السريعة  التى ابتلينا بها، بما يصاحبها من أضرار غذائية يرتفع معها الكوليسترول، وبالتالى تتفشى نسبة البدانة بدرجة كبيرة وقل انتشار الأمراض وانخفاض مستوى المناعة بين أطفالنا والتى انتشرت انتشار النار فى الهشيم بين أبنائنا. فلا يكاد جيلنا الحالى من الأبناء يعرف اسماً مما ذكرته سابقاً من تلك الأكلات المصرية الأصيلة مقارنة بتلك المستوردة، فهل لنا "طبخة من بتوع زمان"؟