رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

رؤية حرة

 لا تزال الرغبة في تركيع مصر ودفعها نحو التفكك إلى كيانات متناحرة حاضرةً في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي، ومعها قوى دولية تعتبر الدولة الوطنية القوية عقبة أمام إعادة تشكيل المنطقة، وهو السيناريو ذاته الذي شهدته دول الجوار، وعلى رأسها ليبيا والسودان، حيث أُنهِكت الدولة المركزية وسقطت في أتون حروب شديدة البأس، وتحول الصراع الداخلي إلى حالة استنزاف دائم بما يضمن تفوق طرف واحد، هو «تل أبيب»، بينما يبقى باقي الدول في موقع الدفاع، يبحثون عن حلول لصراعات مشتعلة ضمن استراتيجية ضغط متعمد.

ولا تُدار هذه المخططات بقرارات مفاجئة أو خطوات غير محسوبة، فهي تُحاك بهدوء عبر أدوات متعددة،  تبدأ بالعبث بالوعي العام وبث الشكوك داخل المجتمع، ثم تغذية اضطرابات داخلية تُستغل سياسيًا لكسر أي توافق عام، ومع مرور الوقت يُطرح التقسيم باعتباره مخرجًا من أزمات صُنعت وتراكمت عمدًا، وقد كشف ما عُرف بـ«الربيع العربي» هذا الأسلوب بوضوح، عندما تحولت مطالب مشروعة في بعض الدول إلى فوضى مفتوحة، ولولا وعي المصريين وتمسكهم بدولتهم، لكان من السهل أن تتكرر نفس النهاية في مصر، فتغرق في نفق مظلم لا يُرى له مخرج.

ونظرًا لوعي المصريين، جاءت ثورة 30 يونيو 2013 استجابةً طبيعية لخطر كان يتشكل ببطء، بعدما أدرك قطاع واسع من المواطنين أن الدولة نفسها باتت مهددة، لا مجرد نظام أو سلطة، ولم تكن تلك اللحظة انفجارًا عابرًا، بل فعل وعي جمع بين الخوف على المستقبل والرغبة في حماية الوطن، وظهر بجلاء أن ما كان يُحاك لمصر يتجاوز خلافات السياسة العابرة،  فمنذ ذلك اليوم ترسخ إدراك عام بأن ما واجهته البلاد لم يكن وليد لحظة، وإنما حلقة في سلسلة ممتدة، خاصة أن وجود الدولة المتماسكة كان عقبةً رئيسية أمام مشروع يرى المنطقة مجرد خرائط قابلة لإعادة الرسم ضمن ترتيبات محسوبة بدقة، والحقيقة أن دوائر الضغط والتربص من الأعداء متعددة، وهنا لا أُطلق نارًا في فرح العمدة، وإنما أضعك على الخط.

ورغم إحباط تلك المحاولة بوعي الشعب الجسور، فإن الصراع لم يصل إلى نهايته، بل أعاد تشكيل نفسه وغير أدواته على نحو يشبه تغير ألوان الحرباء،  وتحولت المواجهة من مباشرة إلى ما يشبه حصار بطيء يستهدف شل قدرة الدولة على المبادرة ودفعها إلى استنزاف مستمر، وهي منكفئة على نفسها تبحث عن حلول لأزمات يتم تصديرها من أطراف معادية،  فالضغوط لم تعد أحادية المصدر، وإنما توزعت على ملفات شديدة الحساسية وتسللت من أبواب متفرقة، من الاقتصاد إلى الأمن المائي، ومن الحدود إلى العمق الاستراتيجي، في مسعى لإبقاء مصر في حالة دفاع دائم بما يصرفها عن دورها الطبيعي في محيطها الإقليمي.

هذا التركيز على مصر ليس مصادفة ولا تحكمه حسابات ضيقة، بل يرتبط بمكانتها في الإقليم ودورها الذي يصعب تعويضه، فمصر بحجمها البشري وثقلها التاريخي تمثل نقطة ارتكاز لا غنى عنها في أي توازن إقليمي حقيقي، كما يمنحها موقعها الجغرافي الممتد بين بحرين والمتحكم في أحد أهم شرايين التجارة العالمية قدرة استثنائية على التأثير، ويجعل حضورها ثابتًا في كل أزمات المنطقة، لا باعتبارها طرفًا هامشيًا وإنما عنصرًا لا يمكن تجاوزه، ورغم ما يُحاك لها ستظل مصر «عمدة المنطقة»، شاء من شاء وأبى من أبى، فكثير من الملفات إذا لم تمر عبر المحروسة ستبقى بلا حلول، وقادة العالم جميعًا يدركون ذلك من الكبير إلى الصغير.

وتتوزع أدوات الضغط على مصر بدقة، ففي الجنوب يُستغل سد النهضة كأداة استراتيجية لخلق توتر دائم يتكامل مع حالة عدم الاستقرار في السودان، ليصبح هذا الاتجاه مصدر قلق وصداع مستمر، وفي الغرب تُترك ليبيا في حالة «فوضى مُدارة» لا تنهار بالكامل ولا تهدأ، بما يُبقي الحدود ملتهبة، أما في الشرق فتتصاعد الضغوط عبر تداعيات حرب غزة ومحاولات فرض سيناريوهات تهجير قسري تهدف إلى زعزعة ثوابت الأمن القومي، وتحويل القاهرة من صانع توازن إقليمي إلى طرف محاصر بالأزمات، ورغم ذلك كل المخططات مكشوفة لصانع القرار، ومصر نجحت في إجهاض كافة المؤامرات.

ويمثل نموذج «صوماليلاند» مثالًا واضحًا على كيفية توظيف إسرائيل لتقسيم الدول كأداة جيوسياسية، إذ تحول النزاع الداخلي إلى وسيلة لإنشاء موطئ قدم خارجي قرب البحر الأحمر وباب المندب، بعيدًا عن أي التزام بالقانون الدولي أو الحفاظ على وحدة الدولة، ويتم ذلك عبر دعم كيان غير شرعي يفتقد للاعتراف الدولي، كجزء من مخطط أوسع لإضعاف الدول المركزية وفتح المجال أمام نفوذ خارجي متزايد، يضمن السيطرة على الممرات البحرية الحيوية، والخطر هنا لا يقتصر على الصومال وحده، بل يمتد ليشمل منظومة الأمن الإقليمي بأكملها.

ولا تقتصر مسارات التقسيم على إفريقيا وحدها وإنما تمتد بوضوح إلى الساحة العربية، حيث يقدم اليمن نموذجًا صارخًا لدولة ذات موقع استراتيجي حاكم لمضيق باب المندب، جرى دفعها تدريجيًا نحو واقع الانقسام عبر تغذية النزاعات وتحويلها إلى أمر واقع سياسي وعسكري، ولم يكن هذا التفكك نتاج حرب أهلية فحسب وإنما مسارًا جرى تثبيته بعناية لإنتاج كيانات ضعيفة يسهل اختراقها أمنيًا وسياسيًا، ويمنح أطرافًا خارجية هامش حركة أوسع في البحر الأحمر وخليج عدن، مع تقليص قدرة أي دولة عربية موحدة على التأثير في أمن الملاحة، أو موازين القوة الإقليمية.

إن إسرائيل تُحول تفكيك الدول إلى مبدأ أساسي في عقيدتها الأمنية منذ نشأتها، فهي تسعى باستمرار إلى إضعاف الكيانات الكبرى عبر تفتيتها إلى وحدات أصغر متنازعة يسهل احتواؤها أو توظيفها وفق الأهواء، من جنوب السودان إلى شمال العراق، وصولًا إلى محاولات شرعنة كيانات انفصالية تحت لافتة «حق تقرير المصير»، تتحرك تل أبيب باعتبارها المستفيد الأول من هذه الخرائط الممزقة التي تنتج إقليمًا بلا توازن، وتُبقي تفوقها خارج أي مساءلة حقيقية.

ويتضح أن ما تواجهه مصر ليس مجرد ضغوط عابرة، بل محاولة منهجية لإضعاف الدولة عبر تحويل الأزمات إلى واقع دائم يُستهلك فيه الوطن تدريجيًا، والأخطر أن هذه المحاولات لا تستهدف سياسات أو حكومات فحسب، بل تستهدف القدرة على الاستمرار، عبر بث الشائعات والأكاذيب لإضعاف الثقة بين المواطن والدولة، وإرباك الرؤية الوطنية، وإشغال المجتمع بصراعات داخلية تُبقيه دائمًا في وضع دفاع.

خلاصة القول لا يكفي فهم التحديات بمعزل عن ما يحدث في المنطقة، بل يجب قراءتها كجزء من حرب طويلة الأمد، لا تتوقف عند حدود الأحداث، بل تستهدف تفكيك الدولة من الداخل عبر إشغالها بصراعات مستمرة تُضعفها وتقلل من قدرتها على المواجهة، فالمتربصون بمصر لا يهابون قوتها فقط، بل يخشون استقرارها، لأن مصر الشامخة القوية تعني توازنًا إقليميًا لا يرضى به أحد من أصحاب المؤامرات، فهل علمتم الآن لماذا يستهدفون مصر؟.