رغم الخطاب الناري الذي اشتهر به دونالد ترامب، ورغم التهديدات المتكررة التي أطلقها خلال فترته الرئاسية، فإن قراءة متأنية للواقع الاستراتيجي تشير إلى أن خيار توجيه ضربة عسكرية مباشرة لإيران ظل وسيظل خيارًا بالغ الكُلفة، أقرب إلى استعراض سياسي منه إلى قرار فعلي على الأرض.
أولًا، يدرك ترامب، بوصفه رجل أعمال قبل أن يكون سياسيًا، منطق "حساب الربح والخسارة". حيث إن أي مواجهة عسكرية مع إيران لن تكون ضربة خاطفة ولا عملية جراحية محدودة، بل ستفتح الباب أمام حرب إقليمية واسعة، تمتد آثارها إلى الخليج، وأسواق الطاقة، والملاحة الدولية. إيران ليست دولة معزولة عسكريًا؛ لديها شبكة حلفاء وأذرع إقليمية قادرة على الرد، ما يجعل تَبِعات الضربة أعلى بكثير من أي مكسب سياسي داخلي يمكن لترامب أن يجنيه.
ثانيًا، الاقتصاد الأمريكي نفسه يُعد عامل كبح أساسي. لأن ترامب بنى جزءًا كبيرًا من خطابه على قوة الاقتصاد، وانخفاض أسعار الوقود، واستقرار الأسواق. وبالتالي، أي حرب مع إيران تعني ارتفاعًا فوريًا في أسعار النفط، واضطرابًا في سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما ينعكس مباشرة على المستهلك الأمريكي. خاصةً إذا كان رئيس يقدّم نفسه حارسًا لرفاهية "الطبقة الوسطى" فلا يمكنه تحمل صدمة اقتصادية من هذا الحجم.
ثالثًا، المؤسسة العسكرية والأمنية الأمريكية، على عكس الصورة الشائعة، ليست متحمسة لمغامرات غير محسوبة. لطالما حذرت تقارير البنتاغون وأجهزة الاستخبارات من أن إيران ليست العراق ٢٠٠٣، وأن أي صدام معها سيكون طويل الأمد ومعقّدًا. ترامب، رغم نزوعه الشعبوي، كان يميل في النهاية إلى الاستماع للتقديرات التي تحذّره من "مستنقع جديد" قد يلتهم رئاسته تدريجيًا.
رابعًا، البعد الانتخابي لا يقل أهمية. إذ أن ترامب بارع في استخدام التصعيد اللفظي لكسب جمهور الداخل، لكنه حَذِر من الانتقال إلى الفعل والتصعيد عندما يهدد ذلك فرصه وحظوظه السياسية. فالقاعدة الانتخابية التي دعمته كانت، في جزء كبير منها، رافضة لحروب الخارج ومتعطشة لشعار "أمريكا أولًا"، لا لجثامين الجنود العائدة من الشرق الأوسط.
أخيرًا، سياسة "الضغط الأقصى" التي اعتمدها ترامب ضد إيران كانت، في جوهرها، بديلًا عن الحرب لا تمهيدًا لها. فالعقوبات، والتهديد، والانسحاب من الاتفاق النووي، كلها أدوات ضغط دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. لذلك، فإن جرأة الخطاب لم تكن يومًا مؤشرًا على استعداد حقيقي للحرب، بل كانت جزءًا من لعبة الردع والتفاوض من موقع القوة.
الخلاصة أن ترامب، مهما علا صوته، كان يعرف أن ضرب إيران ليس قرارًا سهلًا ولا مأمون العواقب، وأن ثمن الحرب يفوق بكثير صورة "الرئيس القوي" التي يسعى لترويجها.