رؤيـــة
أرى من الأمور الطيبة من آن إلى آخر أهمية التوقف عند أحداث ومواقف تاريخية وسياسية واجتماعية، كان لحزب الوفد ورجاله الميامين إسهاماتهم الهامة، وذلك لإثراء معارف شبابنا المصرى بشكل عام والوفدى بشكل خاص على صفحات جريدتنا الغراء..
من بين الوقائع والأحداث البرلمانية، ثبت أنه فى ثمانى ساعات وخمسين دقيقة بدأت وانتهت حياة أقصر هيئة نيابية فى تاريخ مصر وربما فى العالم كله.. كان ذلك يوم الاثنين 23 من مارس 1925..
كان العام السابق قد شهد فجراً جديداً للحياة النيابية المصرية بعد ثورة 1919 فى ظل دستور 1923، وتولى سعد زغلول رئاسة الوزارة، ليكون أول رئيس مجلس وزراء مصرى يستند إلى أغلبية برلمانية، وشهد أول صدمة لهذا الفجر الجديد، حين اضطر سعد زغلول لتقديم استقالة وزارته بعد الإنذار البريطانى الذى أعقب حادث مقتل السيد لى ستاك، السردار البريطانى للسودان، وحل الملك فؤاد المجلس..
كانت سحب الصدام بين الوفد والإنجليز تتجمع فى الأفق منذ البداية، فالبرلمان الوفدى الذى افتتح فى 15 من مارس 1924 بادر باستنكار تصريح 28 فبراير 1922 وأعلن أنه لا يصلح لاستقلال مصر الحقيقى، وتضامنت معه الحكومة فى ذلك.. وبين سبتمبر وأكتوبر دارت أول مفاوضات مصرية بريطانية فى لندن بين سعد زغلول والمستر مكدونالد رئيس الوزراء البريطانى، وانتهت إلى فشل ذريع.. وأصبح الجو السياسى مشحوناً..
فما أن حل 17 من نوفمبر حتى انفجرت العاصفة.. اعتدى خمسة من الشبان على حياة السير لى ستاك باشا سردار الجيش المصرى وحاكم السودان العام، بعد خروجه من ديوان وزارة الحربية فتوفى متأثراً بجراحه، فثارت ثائرة الحكومة الإنجليزية، وبعد أن تم الاحتفال اللائق بتشييع جنازته فى 22 من نوفمبر، قصد المندوب السامى إلى رياسة مجلس الوزراء يتقدمه مائتان وخمسون جندياً من حملة الرماح البريطانيين، وخلفه مثلهم، وقدم إلى سعد زغلول باشا بلاغين محررين باللغة الإنجليزية، طلب فى الأول:
< أن تقدم الحكومة المصرية اعتذاراً كافياً وافياً عن الجناية..
< أن تتابع بأعظم نشاط، ودون مراعاة للأشخاص، البحث عن الجناة، وأن تنزل بالمجرمين، أياً كانوا ومهما يكن سنهم، أشد العقوبات..
< أن تمنع من الآن فصاعداً وتقمع بشدة كل مظاهرة شعبية سياسية..
< أن تدفع فى الحال إلى الحكومة الإنجليزية غرامة قدرها نصف مليون جنيه..
< أن تصدر فى خلال أربع وعشرين ساعة الأوامر بإرجاع الضباط المصريين ووحدات الجيش المصرى البحتة من السودان، مع ما ينشأ عن ذلك من التعديلات التى ستعين فيما بعد..
< أن تعدل عن كل معارضة لرغبات حكومة حضرة صاحب الجلالة فى الشؤون المبينة بعد المتعلقة بحماية المصالح الأجنبية فى مصر..
< ثم أنذرتها بأنها إذا لم تلب فى الحال وعلى الفور هذه المطالب، فإن بريطانيا سوف تتخذ التدابير المناسبة لصيانة مصالحها فى مصر والسودان.. (وللمقال تتمة).