خط أحمر
يلفت الانتباه أن الرئيس الأمريكى ترامب لم يفكر فى دعوة ماريا كورينا ماتشادو إلى حكم فنزويلا، وقد كان هذا متوقعًا بعد أن أرسل قواته تعتقل الرئيس نيكولاس مادورو وتأتى به إلى نيويورك تمهيدًا لمحاكمته!
لم يحدث رغم أن ترمب أبدى إعجابه كثيرًا بماريا ماتشادو، ورغم أنه هنأها بالفوز بجائزة نوبل للسلام فى السنة الماضية، ورغم أنها سارعت وقت منحها الجائزة فى أكتوبر فقالت إنها تهديها إليه!
طبعًا فى القصة خلفيات كثيرة، ومن بين خلفياتها أن ساكن البيت الأبيض كان يريد نوبل فى السلام لنفسه، ولم يكن يخفى هذا ولا كان يداريه، وكان لا يجد مناسبة للإعلان فيها عن رغبته فى هذه الجائزة بالذات، إلا وكان يوظفها بشكل ظاهر وبطريقة واضحة لا تخطئها العين. وكان يذهب إلى مدى أبعد من ذلك فكان يدعو رؤساء فى العالم لتزكية اسمه لدى لجنة الجائزة فى العاصمة النرويجية أوسلو. وذات مرة كان قد استضاف عددًا من الرؤساء الأفارقة، فلما خرجوا من عنده وعادوا إلى بلادهم أعلن أحدهم فى ڤيديو متداول، أن ترمب دعاه إلى كتابة خطاب إلى لجنة الجائزة بهذا الشأن!
شىء من هذا كله لم يحدث من قبل، لأن لجنة الجائزة هى التى تختار، وهى التى تملك من الأدوات ما يجعلها ترصد طول السنة، وتقرر فى النهاية أن هذا السياسى أو ذاك من بين الساسة فى العالم، هو مَنْ يستحقها دون سواه.
وعندما فاز بها الرئيس السادات فى سبعينات القرن العشرين، فإنه لم يطلب من اللجنة الفوز بها، ولم يطلب من أحد أن يزكى اسمه، وإنما كان قد سبق فسعى إلى السلام على الأرض وأنجز ما لم ينجزه سواه فى هذا الاتجاه فاستحقها عن جدارة.
مشكلة ترمب مع نوبل غير مفهومة، وتبدو نفسية أكثر منها سياسية أو غير سياسية، فهو يملك من المال ما لا عدّ له ولا حصر، ويملك من الشهرة ما يجعله نجمًا سياسيًا بلا منازع على الأرض، ويملك من السلطة ما لا يملك سواه فى أنحاء الكوكب، ومع ذلك يشعر طول الوقت أن نوبل للسلام تنقصه، وأنه بغيرها ينقصه شىء، وأنه يريد استكمال هذا الشىء، ولا بد أن تهافته بهذه الصورة قد وضع لجنة الجائزة فى حرج، ولما أرادت أن تتخفف من الحرج منحت الجائزة إلى المعارِضة الفنزويلية ماتشادو التى تحظى بتأييده وتعاطفه السياسى!
ولكن هذا لم يكن كافيًا، ولا أدل على ذلك إلا أنه لم يفكر فى دعوتها للحكم بعد مادورو، مع أنه كان قبل القبض على الرئيس الفنزويلى لا يتوقف عن الإشارة إلى أحقيتها فى أن تكون فى القصر، وأن إبعادها عن خوض السباق الرئاسى أمام مادورو كان هو القرار الخطأ!