فى بعض الأحيان ألوم على الإعلام فى مصر تجاهل انجازات أهل العلم والبحث والنبوغ، والسير وراء نجوم «التريند» المثيرين للجدل، ممن ينشدون لفت الأنظار، فيطرحون أفكارا سطحية غريبة طلبا للشهرة، ويطلقون مبادرات مغايرة للقيم والأخلاق، فيمثلون بذلك قدوة سيئة للمجتمع المصرى.
والمحزن فى الأمر أن المجتمع لا يعرف علماء كبار وعظماء لهم إسهامات عالمية عظيمة تستحق الذكر والثناء والتقدير، لأن الإعلام لم يسلط الأضواء عليهم، وتناساهم فى سعيه للبحث عن الأكثر رواجا.
وقد لفت نظرى مؤخرا تجاهل الرأى العام لخبرين سارين فى الأسبوع الماضى، إذ أعلنت مؤخرا الرابطة الدولية للجراحين وأطباء الجهاز الهضمى والأورام عن اختيار الجراح المصرى الدكتور محمد عبد الوهاب، رئيس فريق زراعة الكبد بجامعة المنصورة، رجل العام فى 2025 فى مصر والشرق الأوسط، تقديرا لمسيرته العلمية والمهنية خلال ثلاثة عقود. وهذا الرجل عرف بكونه رائدًا فى جراحة زراعة الكبد، حيث حقق نجاحات عظيمة جعلته ذا خبرة أكاديمية وبحثية واسعة لكافة المتابعين لأمراض الجهاز الهضمى فى العالم.
كما شهد الأسبوع الماضى أيضا اعلان فوز الدكتور المصرى نبيل صيدح، مدير وحدة أبحاث الغدد الصماء العصبية الحيوية فى معهد مونتريال للأبحاث السريرية، بجائزة نوابغ العرب عن فئة الطب لعام 2025. وقال الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات، رئيس مجلس الوزراء، وحاكم دبى، أن الدكتور صيدح قدّم إسهامات علمية رائدة فى فهم صحة القلب وتنظيم مستويات الكوليسترول، وركّز فى دراساته على العمليات الحيوية، التى تتحكم فى كيفية تعامل الجسم مع الدهون، وهو ما أسهم فى تطوير جيل جديد من الأدوية لخفض الكوليسترول وتقليل مخاطر أمراض القلب.
ولا شك أن هذا الإنجاز العظيم يبعث على الفخر، ويؤكد أن المصريين نبغاء بطبيعتهم ولديهم قدرة على التفوق والريادة فى مختلف المجالات العلمية، متى أتيحت لهم الفرص المناسبة، وهيئت لهم بيئة التحقق والنبوغ.
ومثل هذين المثالين العظيمين، هناك الكثير والكثير من المصريين العلماء الباحثين المتفوقين والمجتهدين فى شتى المجالات، والذين لا تلتفت إليهم وسائل الإعلام، ولا تهتم بأخبارهم وأنشطتهم مواقع التواصل الاجتماعى.
لقد تصور البعض أن مصر خرجت من سباق النبوغ والتميز العلمى بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية التى مرت بها خلال السنوات الأخيرة، لكن الواقع أثبت عكس ذلك تماما، فالمصريون فى كل مكان يؤكدون كل يوم نبوغهم وريادتهم واستحقاقهم التميز فى مختلف العلوم.
وهناك طاقات عظيمة، وابداعات مُدهشة، ومواهب معجزة تنتظر الاهتمام الإعلامى، وتحتاج التشجيع الرسمى، والتقدير الحكومى. وفى ظنى، فإن مثل هذا الاحتفاء والتقدير يُرسخ فى نفوس الشباب من الأجيال الجديدة القدوة الحقيقية، ويطرح أمامهم النماذج الحية الجديرة بالمحاكاة فى عصر يسابق فيه الإنسان الآلات، وتنافس فيه العقول البشرية، الذكاء الاصطناعى فى سبيل تشكيل عالم جديد سريع متطور وأكثر رخاء.
فمصر دوما تستحق الريادة والبزوغ، ومنذ فجر التاريخ، والمصريون نبغاء ونجباء، شيدوا صروح العلوم والفنون وتركوا للإنسانية إرثا حضاريا عظيما لا يُمكن إنكاره أبدا.
فسلام على الأمة المصرية.