الحواجز الصعبة أمام البنك المركزى 2024
يحلم بخفض التضخم وكبح جماح الدولار.. ويصطدم بأعباء خدمة الدين وتراجع التدفقات النقدية
فى ظل ظروف اقتصادية عالمية بالغة التشابك تعانى الكثير من بلدان العالم ومنها مصر بالقطع: جاءت الظروف الاقتصادية المعقدة والمتشابكة بسبب عوامل جيوسياسية كثيرة ومتشعبة يذكرها البعض من خبراء الاقتصاد ومحللى أسواق المال حينما يتكلمون ويتناولون حال ووضع الاقتصاد المصرى فى الوقت الراهن والأزمات الصعبة التي يواجهها، ويتغافل عنها الكثيرون عن عمد أو جهل أو عدم إدراك لما هو حادث عالميًا.. فمنذ بدايات عام 2019 وحتى وقتنا هذا لم يهدأ العالم، ولم يكد يخرج من كارثة حتى يدخل فى أنفاق مصيبة أكثر وأشد ضراوة.. ففى الفترة من عام 2019 وحتى منتصف 2022 تقريبًا واجهت كل بلدان العالم كارثة وباء كورونا بمتحوراته وانتكاساته، وتسبب هذا الوباء الملعون فى إلحاق خسائر فادحة علي كافة المستويات اقصاديًا واجتماعيًا وصحيًا فى العديد من بلدان العالم، وإن كانت الخسائر الاقتصادية هى الأكبر والأعمق أثرًا والجميع كان يشاهد كل دول العالم بما فيها الدول الصناعية الكبرى وهى تصرخ من الخسائر الاقتصادية، وتراجع مؤشرات الناتج المحلى الإجمالى، وانخفاض معدلات النمو مع الارتفاع الحاد فى معدلات التضخم، خاصة أسعار السلع الغذائية نتيجة الضغوط الشديدة عليها بسبب الزيادات الحادة فى معدلات الاستهلاك بعد أن ظلت مئات الملايين من الأسر فى كل انحاء العالم بمنازلهم لفترات طويلة. بعد كارثة - كورونا ومتحوراته دخل العالم علي مصيبة الحرب الروسية - الاوكرانية والتي لا تزال مشتعلة إلى الآن منذ اندلاعها مع بدايات عام 2021 وإن كانت المناوشات قد بدأت عام 2013 عندما نفذت روسيا العديد من العمليات العسكرية فى الأراضى الأوكرانية مع الأخذ فى الاعتبار أن روسيا تعد أكبر مصدر للقمح فى العالم، وتحل أوكرانيا فى المرتبة الخامسة، ويصدران معًا نحو 19٪ من صادرات العالم للشعير، و14٪ من القمح، و4٪ من الذرة مما يعنى أن ثلث صادرات العالم من الحبوب يتم تصديرها عبر روسيا وأوكرانيا، ودخولهما فى الحرب يعنى بالتأكيد انتكاسة شديدة فى إمدادات أسواق العالم بهذه المحاصيل الاستراتيجية وهو ما حدث بالفعل وكان من نتيجته ارتفاع أسعار هذه المحاصيل بصورة غير مسبوقة.
ومع بدايات أكتوبر الماضى شنت إسرائيل غزو شاملاً علي الفلسطينيين فى غزة مما خلق اضطرابات فى العديد من دول العالم خاصة دول الجوار.
<< اضطراب السياسات النقدية عالميًا.
كل الأحداث السابقة تركت بلاشك آثارًا بالغة السوء على الاقتصاد العالمى، والاقتصاد المحلى المصرى، وإن كانت الاقتصادات العالمية الكبيرة قادرة علي تجاوز هذه الآثار السلبية المخيفة لسبب بسيط وهو أنها اقتصاديات قوية قادرة علي امتصاص الصدمات لتنوع مصادر التدفقات النقدية عندها، بجانب قوة الاحتياطات النقدية ببنوكها المركزية، ووجود نواتج محلية هائلة لديها لوجود صناعات قوية، وإنتاج ضخم مع عوائد كبيرة من الأنشطة الاقتصادية والخدمية والانتاجية وأشياء أخرى كثيرة.. ورغم كل ذلك تجد غالبية الاقتصادات الكبرى يسودها القلق والتوتر بشأن ما هو قائم من أوضاع اقتصادية وسيناريوهات سيئة متوقع حدوثها.. بالأمس القريب - مثلا - أبقى البنك المركزى الأوروبى الذى يدير احتياطى النقد الأجنبى ويضع السياسات النقدية لكل دول الاتحاد الأوروبى على أسعار الفائدة دون تغيير رغم ارتفاع قيمة عملات الدول التسع الأخرى الكبار وفى مقدمتهم الدولار الأمريكى والجنيه الاسترلينى، وتوقع الفيدرالى الأمريكى أن يكون هناك خفض فى أسعار الفائدة العام القادم 2024 رغم وجود مؤشرات بتراجع العوائد من سندات الخزانة الأمريكية إلي أدنى مستو لها من عدة أشهر بالاضافة إلي وجود انخفاض فى الطلب علي إصدار سندات خزانة طويلة الأجل «3 سنوات»، وتوقع الفيدرالى الأمريكى تراجع مستويات التضخم لمستويات أقل العام القادم، وحتى علي مستوى الأسهم قام الفيدرالى الأمريكى بدعمها فى اطار السياسة التي ينتهجها مؤخرًا وهى تيسير السياسة النقدية.
<< المركزى المصرى والحواجز الصعبة
دون شك يواجه البنك المركزى فى بلادنا تحديات صعبة للغاية وأصبح مطلوبًا منه أن يتجاوز كل الحواجز الصعبة وفى مقدمتها السيطرة علي سعر الدولار الجامح، وخفض معدلات التضخم، وزيادة معدلات النمو، وتجاوز أعباء الدين الخارجى والداخلى وكأنه يملك عصا سحرية فى زمن انتهت فيه المعجزات أو حتى الكرامات، وأرى أن تخطى الحواجز الصعبة التي تواجه الاقتصاد مسئولية مشتركة بين الجميع بدءًا من الحكومة مرورًا بالبنك المركزى والقطاع المصرفى ثم المستثمرين والصناع فى كل القطاعات الصناعية والانتاجية وانتهاءً بالمواطن المستهلك.
وإن كنا لا نعفى المركزى من المسئولية الأكبر بصفته المسئول الأول والأخير عن السياسات النقدية للبلاد والعباد فى بلادنا، بالأمس القريب أبقى المركزى علي أسعار الفائدة دون تغيير «19.25 للإيداع و20.25٪ للاقراض» بهدف السيطرة علي معدلات النمو والحفاظ على معدلاتها رغم التباطؤ الذى تعانى منه، ولكن تثبيت أسعار الفائدة أو زيادتها ولو بنسب طفيفة ليس هو الحل، لأن الحواجز كبيرة جدًا ومتعددة وأهمها وأخطرها، زيادة معدلات التضخم بصورة غير مسبوقة والتي أرى أنها تزيد على 40٪ بكثير وليس صحيحًا علي الاطلاق أنها تصل إلى 38.5٪ لسبب بسيط وهو أن الزيادات فى أسعار السلع الغذائية، وكذلك السلع المعمرة والحاصلات الزراعية رهيبة وغير مسبوقة، وهناك سلع زادت أسعارها فى الفترة من يناير إلى ديسمبر الحالى بنسب لا تقل عن 100٪ و150٪ ونرى أنه من الصعوبة الشديدة أن ينجح المركزى كما أكد فى بيانات رسمية صادرة عنه فى تخفيض نسب التضخم إلى 20٪ أو حتى 30٪ لأن التضخم فى الأصل ناتج عن ضآلة موارد البلاد من النقد الأجنبى وهذا الانخفاض الشديد فى النقد الأجنبى هو الذى يجر وراءه عشرات المشاكل الاقتصادية.. من بين الحواجز الكثيرة التى يواجهها أيضًا البنك المركزى الارتفاع المجنون لسعر صرف الدولار ووجود أكثر من سعر بالسوق وبعضها أسعار وهمية لا تتناسب والمعروض من الدولار أصلاً، ووجود التضخم بجانب انخفاض المعروض من الدولار من شأنه أن يؤثر سلبًا على تدفق الاستثمارات الخارجية الضعيفة أصلاً، وجذب الاستثمارات الخارجية من شأنه أن يؤدى إلي وجود حالة من التدفقات النقدية من النقد الأجنبى ولكن لن يتحقق ذلك إلا إذا قام البنك المركزى بزيادة أسعار الفائدة، والتوسع فى إقراض الصناع والمستثمرين الجادين، وأن يذهب الجزء الأكبر من الادخار المحلى الذى يصل إلى 6٪ إلي الاستثمار الحقيقى وليس لإقراض الجهات الحكومية.
من أهم الحواجز التي يواجهها «المركزى» أيضًا خفض أعباء خدمة الدين وهى مشكلة كبيرة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بوجود موارد كافية من النقد الأجنبى فى ظل وجود عجز فى الموازنة العامة، وميزان المدفوعات وكلاهما يتم تمويلهما بالديون والاقتراض.. أزمات الاقتصاد كثيرة ومتنوعة ولن يتم حلها بين يوم وليلة أو فى خلال عدة أشهر، وتحتاج إلى جهود كبيرة لتخطيها والتغلب عليها ونحن نمتلك العقول المفكرة، وواضعى السياسات المالية والنقدية الأكفاء، ومن الممكن جدًا أن نتجاوز هذه الصعاب والحواجز بحلول عديدة أرى أهمها علي الاطلاق هو بث روح الثقة فى قدرات بلادنا واقتصادنا الوطنى، وجهازنا المصرفى وعلى رأسه البنك المركزى، وعلى المحللين الماليين وبعض جهابذة الاقتصاد الذين يطلقون على أنفسهم خبراء أن يكفوا عن رسم صورة سوداوية للاقتصاد المصرى.. ننتظر أن يعمل «المركزى» جاهدًا علي خفض معدلات التضخم وضبط سعر الدولار، واتخاذ سياسات من شأنها إعادة هيكلة الدين الداخلى والخارجى، وأن تعمل أيضًا علي زيادة الاحتياطى النقدى من الدولار، وعلي الحكومة أن تبذل جهودًا ومعها كل المستثمرين فى الأنشطة المختلفة سواء صناعية أو زراعية أو خدمية أو غيرها لزيادة معدلات الانتاج والتصدير مع الاهتمام والتركيز علي الصناعة والزراعة وزيادة إنتاجية المحاصيل الزراعية خاصة المحاصيل التي يتم استيرادها بمبالغ باهظة ومنها الذرة، القمح وغيرها.. الأمر الآخر تنشيط السياحة وزيادة عدد الليالى السياحية مع تقديم حوافز للشركات العالمية مثل تخفيض أسعار تذاكر الطيران كما تفعل دول مثل المغرب.. جملة القول إن زيادة الانتاج فى كل القطاعات الانتاجية سيؤدى إلي زيادة الصادرات، وزيادة الإنتاج وتشغيل المصانع بكامل طاقتها هو أحد أهم المخارج حتى ينجو الاقتصاد من الحواجز الصعبة التي يواجهها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض