اللعب على أوتار جديدة والمناورة بالالتفاف على الموقف المتأزم فى ليبيا وإعلان انتقالها لتصبح جمعية الإحياء والتجديد
من الصعب تحديد الفترة الدقيقة لدخول فكر الإخوان المتأسلمين في ليبيا إلا أن ليبيا تعتبر إضافة للسودان وفلسطين من أوائل البلدان التى بدأ بها نشر فكر جماعة الإخوان الإرهابية ، فمع أول عملية اغتيال سياسى فى ليبيا فى ٥ أكتوبر ١٩٥٤، مما ترتب على هذا الأمر اصدار الملك أمرا بمنع الجماعة من ممارسة أى نشاط سياسى واتخاذ اجراءات لمراقبة ومحاصرة قياداتها وعناصرها الليبية ربما للشكوك بعلاقة القاتل بالجماعة فى ليبيا ، وبعد قيام ثورة سبتمبر عام ١٩٦٩ شارك أعضاء من الإخوان المتأسلمين فى الوزارات المختلفة التى شُكلت حتى العام ١٩٧٣، وفى هذا العام قبض على قادة الإخوان الذين أُجبروا على الظهور تليفزيونيا والإعلان عن حل الجماعة.
فى عام ١٩٨٠ عاد طلاب ليبيون من الدراسة فى الخارج حاملين فكر الإخوان وأعادوا بناء الجماعة وظلوا يعملون سرا حتى اكُتشفوا فى يونيو ١٩٩٨ ، حيث تم اعتقال أكثر من ١٥٢ من قياداتهم على خلفية اكتشاف تنظيم الإخوان، باعتبار أن النظام الليبى يحظر قيام تنظيمات سياسية ، وفي ١٦ فبراير من ٢٠٠٢ أصدرت محكمة الشعب الخاصة التى شُكلت لمحاكمتهم حكمها بالإعدام على المراقب العام للإخوان فى ليبيا ونائبه وحكم على ٧٣ متهما آخرين بالسجن المؤبد ، وظهرت خطورة جماعة الإخوان فى ليبيا مرة اخرى مع ظهور سيف الإسلام نجل معمر القذافى على الساحة السياسية فى البلاد حاملاً لواء مشروع التوريث لحكم أبيه، بدعم غربى واسع كان مشروطاً بضرورة انفتاح النظام على معارضيه فى الخارج، واحتوائهم بدلاً من مطاردتهم وقمعهم ، واستفادت جماعة الإخوان من هذه الفرصة، والتى تمت بضغط دولى كبير على النظام وقتها مستغلاً خوفه من أن تجرفه موجة التغيير التى بدأت بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١.
تمكن الإخوان من التغلغل فى مؤسسات القذافى السياسية والاقتصادية ، ونخرها من الداخل تمهيداً لإسقاط نظامه، حين فتح ابن القذافى سيف الإسلام أبواب جهنم على القذافى والبلاد بعده عندما مكن قيادات إخوانية من التغلغل فى المؤسسات السياسية والاقتصادية وحتى الإعلامية، وسلمهم زمام الخطاب الدينى وهذا الخطأ كان بداية للكارثة التى تعانيها البلاد حالياً، والتى لعبت القيادات التى أعادها سيف الإسلام إلى ليبيا دوراً كبيراً فيها.
السبب الرئيسى لقفز الإخوان فى ليبيا إلى صدارة المشهد بسرعة، راجع لـخبرة جماعة الإخوان الليبية فى العمل السياسي، وتنظيمها واستراتيجياتها الجاهزة والمستمدة من السياسات العامة الثابتة للتنظيم الدولى المتشعب.
فى مشهد جديد أعلنت جماعة الإخوان المتأسلمين الليبية، انتقالها إلى جمعية «الإحياء والتجديد»، إيمانا منها بأن المدخل الحضارى للتغيير والنهضة هو العمل المجتمعي، للإسهام فى قيام مجتمع مدنى لايضيق بالتنوع والاختلاف.
تغيير الإخوان لهويتهم فى ليبيا جاء للهروب من الضغوط المسلطة عليهم داخليا وكذلك خارجيا، خاصة بعد تضييق الخناق عليهم فى تركيا وتحسن علاقات أنقرة ومصر .
الإخوان المتأسلمين كعادتهم ليس فى ليبيا فقط بل فى كل دول العالم لا يمتلكون حاضنة شعبية كبيرة بل يريدون أن يتحصلوا على أكثر مكاسب سيادية وسياسية فى الدولة دون الوصول لمراحل مصادمة بالشارع لأنهم ليس من مصلحتهم أن يكون الاقتراع بشكل مباشر من الشارع.
الإخوان المسلمون سيحاولون أن يعطلوا الوصول للانتخاب المباشر وسوف يخسرون بعد أن ثبت للجميع أنهم سبب من أسباب الأزمة الليبية ودعم الجماعات المتطرفة فجماعة الإخوان المتأسلمين هم الحاضنة السياسية لكل التيارات المتأسلمة والمتطرفة التى عانتها ليبيا طوال السنوات الماضية لذلك لن يسمح لهم الليبيون للوصول إلى المناصب السيادية مرة أخرى.
إلى اللقاء فى الحلقة القادمة (٣-٥)
الإخوان المتأسلمين وفقه التلون فى أوروبا وجماعة ضد الجميع