سيارة مصرية تنافس عالميًا.. ما الذي ينقص الصناعة للوصول إلى الأسواق الخارجية؟
تتحرك الدولة المصرية نحو إعادة رسم خريطة صناعة السيارات، من خلال خطة تستهدف توطين الإنتاج وتعميق التصنيع المحلي، بالتوازي مع جذب الشركات العالمية ونقل التكنولوجيا الحديثة وتطوير الصناعات المغذية، في محاولة للاستفادة من حجم الطلب بالسوق المحلية وفتح آفاق جديدة أمام الصادرات المصرية، خاصة في الأسواق العربية والأفريقية.
وتكتسب هذه التحركات أهمية متزايدة في ظل التوجه الحكومي لدعم صناعة السيارات الكهربائية، باعتبارها أحد محاور التحول نحو الطاقة النظيفة وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي وخفض فاتورة الاستيراد.
ويذكر أن الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، استعرض منذ أيام، محاور خطة توطين صناعة السيارات والصناعات المغذية، والتي تتضمن التوسع في تصنيع مكونات السيارات المعدنية، وتوطين إنتاج البطاريات والمحركات الكهربائية، إلى جانب تطوير قدرات الموردين والبنية التحتية لمحطات الشحن، ودراسة حوافز جديدة لتشجيع التصنيع المحلي.
ورغم هذه التحركات، لا تزال صناعة السيارات المصرية تواجه عددًا من التحديات المرتبطة بتكلفة الإنتاج، وتوفير مستلزمات التصنيع، وحجم الإنتاج، ومدى القدرة على مواكبة التطور التكنولوجي العالمي، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى كفاية الحوافز الحالية لتحقيق طفرة صناعية حقيقية، والانتقال من تلبية احتياجات السوق المحلية إلى المنافسة في الأسواق الخارجية.
وفي هذا السياق، طرح المستشار أسامة أبو المجد، رئيس رابطة تجار السيارات في مصر، رؤيته بشأن مستقبل القطاع، مؤكدًا أن الإنتاج المحلي لا يزال موجهًا بالأساس للاستهلاك الداخلي، وأن الوصول إلى المنافسة العالمية يتطلب حزمة من الإجراءات العاجلة.

وقال أبو المجد، إن صناعة السيارات المصرية لا تزال تتركز بصورة أساسية على تلبية احتياجات الاستهلاك المحلي، ولم تصل بعد إلى مرحلة تؤهلها للمنافسة في الأسواق العالمية، في ظل نقص الحوافز الداعمة للصناعة وعدم مواكبة التطورات التكنولوجية والتوسعات الإنتاجية التي شهدتها صناعة السيارات عالميًا، لا سيما في الصين.
وأضاف في تصريحه لـ"الوفد"، أن الفجوة بين الإنتاج المحلي والإنتاج العالمي تتضح عند مقارنة حجم الإنتاج والإمكانات التصنيعية في مصر بنظيرتها في الصين، مشيرًا إلى أن التجربة الصينية في صناعة السيارات الكهربائية لم تحقق انتشارها الحالي من فراغ، ولكن جاءت نتيجة تبني سياسات تحفيزية متكاملة، شملت دعم المستهلكين، وتقديم الحوافز الضريبية، ومساندة المصانع، وتشجيع الصادرات، وهو ما ساهم في زيادة حجم الإنتاج وخفض التكلفة وتعزيز القدرة التنافسية.
روشتة النهوض بصناعة السيارات
وشدد رئيس رابطة تجار السيارات، على أن النهوض بصناعة السيارات في مصر يتطلب التحرك وفق استراتيجية واضحة تتضمن حزمة من القرارات العاجلة، يأتي في مقدمتها إلغاء الجمارك على مستلزمات الإنتاج وقطع الغيار وخطوط التصنيع وسلاسل الإمداد الخاصة بمصانع السيارات، وخاصة السيارات الكهربائية، لافتًا إلى أن فرض رسوم جمركية تتراوح بين 5 و7% على بعض مستلزمات الإنتاج، مقابل إعفاء السيارات الكهربائية المستوردة من الجمارك، يخلق فجوة في تكلفة التصنيع المحلي ويحد من قدرة المنتج المصري على المنافسة.
وأضاف أن المحور الثاني يتمثل في إصدار تشريعات تلزم جميع المؤسسات والمصالح الحكومية، دون استثناء، باستخدام السيارات الكهربائية المنتجة محليًا، بما يشمل البنوك والجهات الحكومية، إلى جانب إلزام القطاع الخاص بأن تمثل السيارات الكهربائية المصرية 50% من أسطول السيارات المستخدم لديه، مع دراسة آليات تمويل مرنة تسمح بتوفير هذه السيارات من خلال تسويات ضريبية أو تقسيط قيمة المشتريات.
ولفت أبو المجد، إلى أهمية تدخل القطاع المصرفي والبنك المركزي لتوفير برامج تمويل استثنائية ومدعومة لصناعة السيارات الكهربائية المحلية، من خلال إتاحة قروض طويلة الأجل تصل إلى 10 سنوات، مما يسهم في خفض تكلفة التمويل وتشجيع المؤسسات والشركات على التحول إلى استخدام المنتج المحلي، باعتبار صناعة السيارات أحد المشروعات الاستراتيجية الداعمة للاقتصاد الوطني.
وأكد أن التوسع في تصنيع السيارات محليًا لا يقتصر تأثيره على تلبية احتياجات السوق، ولكن يمتد إلى تعزيز الصادرات وتوفير العملة الأجنبية، موضحًا أن تصدير السيارات باعتبارها سلعة صناعية مرتفعة القيمة يمكن أن يساهم في زيادة التدفقات الدولارية، وتخفيف الضغوط على الجنيه المصري، ورفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج الاقتصادي.
ولفت إلى أن مصر تمتلك تاريخًا طويلًا في صناعة السيارات، وكانت من أوائل الدول في منطقة الشرق الأوسط التي دخلت هذا المجال من خلال شركة النصر للسيارات، التي شهدت إنتاج عدد من الطرازات منذ ستينيات القرن الماضي، كما شهد السوق المصري على مدار سنوات إنتاج وتجميع العديد من العلامات التجارية العالمية، وهو ما يعكس وجود قاعدة صناعية وخبرات يمكن البناء عليها لاستعادة مكانة مصر في هذا القطاع.
وأوضح أن المشكلة لا تتعلق بالسيارات الكهربائية وحدها، بل تمتد إلى منظومة صناعة السيارات بالكامل، التي تحتاج إلى تحديث مستمر ومواكبة التطور التكنولوجي العالمي، مستشهدًا بالتجربة الصينية التي انتقلت خلال سنوات من إنتاج طرازات محدودة الإمكانات إلى تحقيق حضور عالمي متقدم في صناعة السيارات الكهربائية، نتيجة الاستثمار في التطوير والبحث والتصنيع والتوسع في الإنتاج.
واختتم أبو المجد، مؤكدًا أن تطوير صناعة السيارات المصرية يتطلب رؤية متكاملة تقوم على دعم التصنيع، وتوطين التكنولوجيا، وتقديم الحوافز التمويلية والضريبية، والتوسع في التصدير، بالتوازي مع حماية واستدامة منظومة التجارة والتوزيع، مشددًا على أن الصناعة والزراعة يمثلان ركيزتين أساسيتين لبناء اقتصاد قوي وزيادة قدرته على جذب العملة الأجنبية وتحقيق معدلات نمو مستدامة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







