1300 عامل في الشارع| كواليس أزمة مصنع بالإسكندرية.. العمال يستغيثون والشركة تفجر مفاجأة (فيديو وصور ومستندات)
بين ليلة وضحاها، وجد حوالي 1300 عامل وعاملة بمصنع "بيبي كوكا – هيلا للملابس الجاهزة بالإسكندرية، أنفسهم أمام أبواب مغلقة، بعد سنوات قضوها خلف ماكينات الخياطة، لم يعرفوا خلالها سوى الالتزام بمواعيد العمل ومعدلات الإنتاج، قبل أن يفاجأوا بتوقف العمل دون تسوية واضحة لأوضاعهم أو حصولهم على مستحقاتهم.
وبين وعود بمستثمر جديد، وعقود انتهت، وتساؤلات حول مصير التأمينات الاجتماعية، تحولت سنوات العمل إلى أزمة تهدد مصدر رزق مئات الأسر، وتضع مستقبل العمال أمام المجهول.
لم تكن الأزمة مجرد فقدان وظيفة، بل امتدت لتكشف، وفقًا لشهادات عدد من العمال، عن تباين في المعاملة بين العاملين بالمصنع، واتهامات بإنهاء علاقات العمل دون إخطار أو تسوية قانونية، فضلًا عن خلافات بشأن الأجور والتأمينات ورصيد الإجازات.
وفي الوقت الذي يطالب فيه العمال بعودتهم إلى وظائفهم أو صرف كامل مستحقاتهم، يواصلون التردد على مقر المصنع بحثًا عن إجابة لسؤال واحد: أين تذهب سنوات عمر قضوها في العمل؟، ومن يتحمل مسؤولية تشريدهم؟
وفي هذا التقرير، ترصد "الوفد" تفاصيل الأزمة من خلال شهادات العمال والعاملات المتضررين، وتكشف كواليس الأيام الأخيرة قبل إغلاق المصنع، وما يواجهه مئات العاملين من مخاوف بشأن حقوقهم ومستقبل أسرهم.
ومن ناحيته، يروي "ع. ا" أحد عمال مصنع "بيبي كوكا – هيلا" للملابس الجاهزة بالإسكندرية، تفاصيل الأزمة التي تعرض لها 1300 عامل تابعين لـ "هيلا" بعد إغلاق أبواب المصنع في 31 أكتوبر الماضي، قائلًا إن المصنع ينقسم إلى جزئين، الأول تابع لشركة بيبي كوكا، ويضم 200 عامل بعقود دائمة، والثاني يضم 1300 عامل تابعين لشركة هيلا، التي تتولى تشغيل المصنع من خلال مستثمرين يتغيرون من وقت لآخر.
وقال العامل، أن كثيرًا من زملائه قضوا سنوات طويلة داخل المصنع، فمنهم من يعمل منذ 15 و 16 عامًا، وآخرون منذ 10 سنوات أو 5 سنوات، وكانت الأمور تسير بصورة طبيعية أثناء العمل، قبل أن يفاجأ العمال باكتشاف عدم سداد اشتراكات التأمينات الاجتماعية الخاصة بهم، رغم استمرارهم في العمل طوال تلك السنوات.
ويتابع: لما عرفنا إن التأمينات لم تُدفع، طمأنوننا أنه سيتم دفعها، وبعدها بدأوا يمدون عقود العمال لحد يوم 31 أكتوبر، بحجة إن فيه مستثمر جديد قادم، وإنه سيستلم المصنع ويمضي لنا عقود جديدة باسمه، مضيفًا: وإحنا سألناهم بوضوح هل الشركة هتقفل؟ عشان كل واحد يشوف له شغل ومصدر رزق، لكن ردهم كان إن الشركة شغالة ومفيش أي نية للإغلاق.
وأشار العامل، إلى أن إدارة المصنع أصدرت منشورًا مختومًا خاصًا بالـ 200 عامل التابعين لـ"بيبي كوكا"، يقضي بمنحهم إجازة مفتوحة مدفوعة الأجر، بينما ظل الـ 1300 عامل التابعين لـ"هيلا" يحصلون على عقود محددة المدة حتى 31 أكتوبر، دون توضيح مصيرهم بعد هذا التاريخ، مشيرًا إلى أن الشركة لم تقم بتعليق أي قرارات بشأن الإغلاق.

وأضاف أنه في منتصف أكتوبر فوجئ العمال بقرار منحهم يوم الخميس إجازة، إلى جانب يومي الجمعة والسبت، مع خصم أيام الخميس من رصيد الإجازات السنوية لعامي 2025 و2026، الذي يبلغ 21 يومًا، وعندما طالبوا بالحصول على مقابل مادي عن هذه الأيام، قيل لهم إنه لا توجد أموال لصرفها.
ويستكمل: أول خميس أخدناه ورجعنا يوم الأحد، قالوا لنا إن المستثمرين السريلانكيين هربوا، وإن "ع.أ" رجل أعمال، سيتولى المصنع ويدّخل شغل جديد، وطلبوا مننا ما نعملش إضرابات ولا مظاهرات.
وأوضح العامل، أن العمال توجهوا لاستخراج بيان تأميني، ليفاجأوا بأن الشركة أبلغت عن هروب المستثمر، وأنهم لا يملكون استمارات إنهاء الخدمة "استمارة 6"، قبل أن يتوجهوا إلى المصنع يوم 31 أكتوبر ليجدوا البوابة مغلقة، ويتم إبلاغهم بأن المصنع أغلق أبوابه.
وقال: عملنا وقفات احتجاجية بكل احترام، لأننا عايزين حقوقنا ومش بنطلب حاجة زيادة عن حقنا، وجاء شخص من القوى العاملة وقال لنا إننا هناخد نصف شهر يوم 15 نوفمبر، وإن فيه مستثمر جديد جاي في آخر الشهر، لكن لحد دلوقتي إحنا مش عارفين مصيرنا إيه.
وأكد "ع.ا"، أن العمال ما زالوا يتوجهون يوميًا إلى مقر المصنع للمطالبة بحقوقهم، دون استجابة، مشيرًا إلى أن مكتب عمل سموحة رفض تحرير محضر ضد الشركة، بحسب قوله، ولا يجد العمال سبيلًا سوى تحرير محاضر بقسم الشرطة.
ويتابع بمرارة: فيه ناس اتضربت، ومحدش بيستجيب لنا، وإحنا قاعدين في الشمس في الشارع، لا شغل ولا مرتب ولا حد بيقول لنا هنعمل إيه، إحنا شايفين إن اللي حصل فصل تعسفي، لأن الناس اتسابوا من غير شغل ومن غير حقوق.
وأكد العامل، أن الأزمة لا تتعلق فقط بفقدان مصدر الدخل، ولكن بمصير مئات الأسر، خاصة أن عددًا كبيرًا من العمال تجاوزت أعمارهم الأربعين، وبعضهم اقترب من الخامسة والأربعين، بعد أن أمضوا ما يزيد على 15 عامًا في المصنع.
وقال: اللي اشتغل 15 و16 سنة في المصنع ووصل سنه 40 أو 45 سنة، يروح يشتغل فين دلوقتي؟ مين هيقبله بره؟ إحنا عايزين حقوقنا القانونية، وتعويضاتنا عن سنوات الخدمة، ورصيد إجازاتنا، ومش هنطلب غير حقنا.
واختتم: احنا مش عايزين غير حقوقنا، عايزين حد يسمعنا، ويحاسب المسؤول عن اللي حصل، ويرجع لنا مستحقات سنين عمرنا اللي قضيناها في المصنع.
“أسدد ديوني وأصرف على ولادي منين؟”.. صرخة عاملة بعد تسريحها من مصنع بالإسكندرية
وفي السياق ذاته، قالت العاملة "ل.م" إحدى المتضررات من أزمة إغلاق شركة "بيبي كوكا - هيلا"، إنها تعمل بالشركة منذ 6 سنوات، وكانت حريصة طوال فترة عملها على أداء مهامها والالتزام بمعدلات الإنتاج المطلوبة، مؤكدة أنها فوجئت بإنهاء عملها مع عدد كبير من زملائها دون إخطار مسبق أو تسوية مستحقاتهم المالية.
وأضافت في حديثها لـ"الوفد"، أنها بدأت العمل بالشركة عام 2020، وكانت تعمل في البداية دون عقد عمل منتظم، قبل أن تطلب الإدارة منها التوقيع على ورقة تفيد موافقتها على العمل مع شركة "هيلا"، مشيرة إلى أن العاملين وقعوا على هذه الورقة على أمل استمرارهم في العمل والحفاظ على مصدر رزقهم.
وأوضحت أنها ظلت تعمل لمدة عامين دون الحصول على عقد، ثم جرى تحرير عقد لها، كان يتم تجديده سنويا، لافتة إلى أنها دخلت منظومة التأمينات الاجتماعية في عام 2022، رغم أن فترة عملها السابقة لم تكن مسجلة بالتأمينات.
وأشارت إلى أن آخر عقد وقعته كان بتاريخ 25 نوفمبر 2025، وكان من المفترض أن يستمر حتى 25 نوفمبر 2026، لكنها فوجئت بإبلاغ العاملين بأن عقودهم ستنتهي في 30 أكتوبر، رغم تأكيدات المسؤولين لهم باستمرارهم في العمل وعدم وجود مشكلة تتعلق بوظائفهم.
وأكدت أن العاملين تعرضوا لضغوط كبيرة خلال الأشهر الأخيرة لإنجاز "الطلبيات" المطلوبة ورفع معدلات الإنتاج، وكانوا يعملون لساعات طويلة أمام ماكينات الخياطة، من الثامنة صباحا حتى الخامسة مساء.
وتابعت أنها فوجئت في نهاية أكتوبر بإبلاغهم بمنحهم إجازة كل يوم خميس، تحت مبرر ترشيد استهلاك الكهرباء والمياه، ثم فوجئت يوم 30 أكتوبر بعدم وجود أتوبيسات لنقل العاملين إلى مقر الشركة، وإبلاغهم هاتفيا بأن الشركة أغلقت أبوابها ولم يعد هناك عمل لهم.
وأضافت أنها توجهت مع زملائها إلى مقر الشركة للتأكد من حقيقة الأمر، إلا أنهم فوجئوا بإغلاق الأبواب ومنعهم من الدخول، وظلوا أمام المقر منذ الصباح في محاولة لمعرفة مصير وظائفهم ومستحقاتهم، دون الحصول على رد واضح من المسؤولين، مؤكدة أنهم توجهوا لمكتب عمل سموحة لإثبات فصلهم عن العمل تعسفيًا، ولكن رفض المكتب تحرير محاضر لهم.
وأوضحت أن العاملين اكتشفوا لاحقا تحرير محضر إثبات حالة ضدهم بتاريخ 29 أكتوبر الموافق يوم الخميس، يتضمن اتهامهم بالتغيب عن العمل، رغم أن الإدارة هي التي منحتهم الإجازة، معتبرة أن ذلك يمثل محاولة لتحميل العمال مسؤولية عدم وجودهم داخل الشركة.
ولفتت إلى أن الأزمة لم تتوقف عند إنهاء عملهم، إذ فوجئوا بوجود تفرقة في التعامل بين مجموعات العاملين، حيث جرى إبلاغ عمال "بيبي كوكا" باستمرارهم في العمل ومنحهم إجازة مفتوحة مدفوعة الأجر، بينما لم يحصل عمال "هيلا"، على المعاملة نفسها.
وأكدت "ل.ر" أنها أم لثلاثة أبناء، ولد وبنتين، وتبلغ من العمر 46 عاما، وأنها أصبحت تواجه صعوبة كبيرة في توفير مصدر دخل بديل بعد فقدان عملها، خاصة أنها تعول أسرتها ولديها التزامات مالية "جمعيات وديون ومصروفات تعليمية لأبنائها".
وطالبت الجهات المعنية بالتدخل لحل الأزمة وإعادة العاملين إلى وظائفهم، أو حصولهم على كامل مستحقاتهم القانونية، مؤكدة أنها لا تطالب سوى بحقها في العمل والحصول على مستحقاتها، وأنها لم تترك وظيفتها بإرادتها حتى يتم التعامل معها باعتبارها متغيبة عن العمل.
وشددت على أنها تطالب بتعويض عن الفصل بصرف شهرين عن كل عام، وفقا لما تقرره القوانين المنظمة لعلاقات العمل، مشيرة إلى أنها أمضت 6 سنوات في خدمة الشركة وقدمت خلالها جهدها وصحتها، ولا تجد مبررا لأن ينتهي مشوارها المهني بهذه الطريقة دون ضمان حقوقها أو توفير بديل يحفظ لها ولأسرتها حياة كريمة.

"بيبي كوكا" ترد على اتهامات العمال: لا فصل تعسفياً والمستثمرون السريلانكيون غادروا البلاد
وإيمانًا منا بحق الرد، تواصلت "الوفد" مع أحد المسؤولين بمصنع "بيبي كوكا"، والذي رفض ذكر اسمه، للرد على ما أثاره العمال من اتهامات بشأن إغلاق مصنع "هيلا" وإنهاء عملهم دون تسوية مستحقاتهم.
وقال المسؤول، إن العمال وقعوا على عقود عمل سنوية تنتهي في 31 أكتوبر، مؤكدًا أن انتهاء العلاقة التعاقدية في هذا التاريخ لا يُعد فصلًا تعسفيًا، استنادًا إلى أن "العقد شريعة المتعاقدين".
وأوضح أن المستثمرين السريلانكيين المسؤولين عن تشغيل مصنع "هيلا" غادروا البلاد ولم يعودوا، مشيرًا إلى عدم وجود مسؤول حاليًا عن المصنع يمكنه التعامل مع الأزمة أو تسويتها.
وأكد أن الأمر أصبح أمام الجهات المعنية بالدولة للتدخل في معالجة أوضاع العمال، والعمل على توفير فرص عمل بديلة لهم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض