مصر ترفض عسكرة البحر الأحمر.. لماذا تتمسك القاهرة بحماية الممرات الملاحية؟
في ظل التحديات الجيوسياسية المتصاعدة التي تشهدها المنطقة، وتزايد التنافس الإقليمي والدولي على الممرات المائية والمواقع الاستراتيجية، يكتسب البحر الأحمر أهمية متزايدة باعتباره أحد أبرز الشرايين الحيوية لحركة التجارة والملاحة العالمية، ومحورًا رئيسيًا في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
ومع تصاعد التوترات في محيطه، وتعدد التحركات العسكرية والتحالفات الدولية الهادفة إلى تأمين الملاحة، تبرز ضرورة الحفاظ على طبيعة هذا الممر المائي، ومنع تحوله إلى ساحة للصراعات وتصفية الحسابات بين القوى المختلفة.
وفي هذا السياق، تتبنى مصر موقفًا واضحًا يقوم على رفض عسكرة البحر الأحمر، والتأكيد على أن مسؤولية تأمينه تقع بالأساس على عاتق الدول المطلة عليه، باعتبارها الأطراف الأكثر ارتباطًا بأمنه واستقراره، والأكثر تأثرًا بأي اضطرابات قد تهدد حركة الملاحة والتجارة الدولية.
ويعكس هذا الموقف حرص القاهرة على حماية المصالح الاستراتيجية لدول المنطقة، والحفاظ على حرية المرور البحري، بعيدًا عن أي ترتيبات قد تؤدي إلى زيادة التوترات أو فرض واقع عسكري جديد.
وجاءت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن رفض عسكرة البحر الأحمر، خلال لقائه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لتؤكد ثوابت السياسة المصرية تجاه أمن الممرات المائية، وتبرز أهمية التعامل مع هذا الملف من منظور إقليمي يراعي مصالح الدول المتشاطئة، ويعزز التنسيق والتعاون بينها، بما يحول دون تحويل البحر الأحمر إلى منطقة للتنافس العسكري أو ساحة لتوسيع النفوذ الدولي.
وتتزايد أهمية هذا الموقف في ظل الاهتمام الدولي المتنامي بتأمين الممرات البحرية، خاصة مع ارتباط البحر الأحمر بقناة السويس ومضيق باب المندب، ودوره المحوري في حركة التجارة وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يجعل الحفاظ على استقراره مسؤولية تتجاوز حدود المنطقة، وترتبط بصورة مباشرة بمصالح اقتصادات دول العالم.
ومن جانبه، أكد اللواء سيد مخلوف، الخبير العسكري والاستراتيجي، أن تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن رفض عسكرة البحر الأحمر لا تستهدف دولة بعينها، ولا تحمل رسائل موجهة ضد طرف محدد، وإنما تعبر عن رؤية مصرية تستهدف الحفاظ على أمن واستقرار هذا الممر المائي الحيوي، وضمان عدم تعرضه لأي تهديدات تؤثر على حركة الملاحة والتجارة الدولية.
رفض عسكرة البحر الأحمر
وأوضح مخلوف أن الموقف المصري يقوم على مبدأ أساسي يتمثل في الحفاظ على الطبيعة الاستراتيجية للبحر الأحمر، وعدم السماح بتحويله إلى ساحة للتنافس العسكري أو التوسع في الوجود العسكري للقوى المختلفة، بما قد يترتب عليه من تداعيات سلبية على أمن المنطقة واستقرارها.
وأشار الخبير العسكري والاستراتيجي إلى أن تصريحات الرئيس السيسي في هذا الشأن تأتي في إطار رؤية مصرية متوازنة لا تستهدف التصعيد مع أي طرف، وإنما تسعى إلى تجنيب المنطقة مخاطر التوترات والصراعات، والحفاظ على المصالح المشتركة للدول المطلة على البحر الأحمر.
وأضاف أن التعامل مع ملف أمن البحر الأحمر يجب أن يستند إلى التعاون والتنسيق بين الدول المعنية، بعيدًا عن أي تحركات أحادية قد تؤدي إلى تعقيد المشهد الإقليمي أو زيادة حدة التنافس على النفوذ والمواقع الاستراتيجية.
أهمية جغرافية واستراتيجية متزايدة
وفيما يتعلق بالأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر، أوضح مخلوف أنه يتمتع بموقع جغرافي بالغ الأهمية، باعتباره من البحار شبه المغلقة، فضلًا عن كونه ممرًا يربط بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب، الأمر الذي يمنحه مكانة محورية في حركة التجارة والملاحة الدولية.
ولفت إلى أن الموقع الجغرافي للبحر الأحمر يجعله أحد أهم الممرات البحرية المؤثرة في الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل ارتباطه بخطوط التجارة الدولية وحركة السفن والبضائع والطاقة، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد من جانب القوى الدولية بتطورات الأوضاع الأمنية في المنطقة.
وتبرز أهمية البحر الأحمر كذلك من خلال ارتباطه بممرات ملاحية استراتيجية، وفي مقدمتها قناة السويس ومضيق باب المندب، بما يجعل أي اضطرابات أمنية أو عسكرية في محيطه ذات تأثيرات مباشرة على حركة التجارة العالمية وتكاليف النقل وسلاسل الإمداد.
وأكد مخلوف أن هذه الأهمية تفرض ضرورة التعامل مع أمن البحر الأحمر باعتباره مسؤولية مشتركة، تتطلب رؤية متكاملة توازن بين حماية المصالح الوطنية للدول المطلة عليه والحفاظ على استقرار حركة الملاحة الدولية.
الدول المطلة على البحر الأحمر صاحبة المسؤولية الأولى في تأمينه
وشدد الخبير العسكري والاستراتيجي على أن تأمين البحر الأحمر يجب أن يكون مسؤولية أساسية للدول المطلة عليه، باعتبارها الأطراف الأكثر ارتباطًا بأمنه واستقراره، والأكثر تأثرًا بأي تطورات أو تهديدات قد تشهدها المنطقة.
وأوضح أن الدول المتشاطئة تمتلك مصلحة مباشرة في الحفاظ على سلامة الملاحة البحرية، وتأمين حركة السفن التجارية، ومنع وقوع أي اضطرابات قد تؤثر على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، مشيرًا إلى أن التعاون فيما بينها يمثل أحد أهم الضمانات للحفاظ على استقرار هذا الممر الحيوي.
وأضاف أن وجود آليات للتنسيق المشترك بين الدول المطلة على البحر الأحمر من شأنه تعزيز قدرتها على التعامل مع التحديات الأمنية المختلفة، وتوفير رؤية إقليمية موحدة تجاه الملفات المرتبطة بأمن الملاحة وحماية الممرات البحرية.
كما أن إسناد الدور الأساسي في تأمين البحر الأحمر إلى الدول المطلة عليه يعزز مفهوم الملكية الإقليمية للأمن، ويحد من احتمالات تحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة للتدخلات العسكرية الخارجية أو التنافس بين القوى الدولية.
تحالفات دولية لتأمين حركة الملاحة في البحر الأحمر
وفيما يتعلق بالتحركات الدولية، لفت مخلوف إلى وجود اهتمام متزايد من جانب عدد من الدول الأوروبية بتأمين حركة المرور والملاحة في البحر الأحمر، في ظل الأهمية الكبيرة التي يمثلها هذا الممر المائي للاقتصاد العالمي والتجارة الدولية.
وأشار إلى أن هذا الاهتمام انعكس في تشكيل أكثر من تحالف ومجموعة دولية تستهدف تأمين الملاحة والعبور في المنطقة، بما يعكس حجم المخاوف الدولية من أي تهديدات قد تؤثر على سلامة السفن التجارية واستمرار حركة التجارة العالمية.
وأوضح أن تعدد التحالفات والمجموعات الدولية المعنية بأمن البحر الأحمر يؤكد أن القضية لم تعد شأنًا إقليميًا محدودًا، وإنما أصبحت مرتبطة بمصالح اقتصادية واستراتيجية واسعة، تمتد إلى مختلف دول العالم التي تعتمد على هذا الممر في حركة تجارتها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض


