رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

الراوي

«ليست كل الحكايات للتسلية.. بعضها مرآة، نرى فيها ما لا نحب أن نراه».
ليست المشكلة دائمًا فى الذين يفشلون أو الذين ينجحون، بل فى تلك المسافة الموجعة بين إنسانٍ اجتهد حتى بلغ مكانه، وآخر لم يحتمل أن يراه فى مكانة لم يصل إليها. هناك، فى المنطقة المظلمة من النفس البشرية، يولد الحسد، ويتحول التفوق إلى تهمة، والاجتهاد إلى شبهة، والإنجاز إلى مناسبة مفتوحة للتشكيك والانتقاص!
فى مجتمعاتنا، قد يصفق الناس لك طويلًا ما دمت فى الصفوف الخلفية، ويبتسمون لك ما دمت لا تتجاوز حدود المكان الذى رسموه لك فى خيالهم. لكن ما إن تتقدم خطوة، أو تحقق إنجازا، أو تحصد تقديرًا تستحقه، حتى تتغير نبرة الأصوات، وتبدأ الأسئلة التى لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن ثغرة تنال منك. فجأة، يصبح نجاحك موضع تحقيق، وتصبح سنوات تعبك قابلة للمحو بجملة عابرة: «أكيد وراه حاجة!».
المؤلم أن بعض الناس لا ينزعجون من فشل الآخرين بقدر ما ينزعجون من نجاحهم؛ فالفشل، فى نظرهم، يعيد ترتيب العالم على الصورة التى اعتادوها، أما النجاح فيربك حساباتهم، ويوقظ داخلهم شعورًا قاسيا بالعجز. لذلك، بدلًا من أن يسألوا أنفسهم: كيف وصل هذا الإنسان؟ يفضلون سؤالًا آخر أكثر راحة وأقل شجاعة: كيف نثبت أنه لا يستحق؟
وهنا تبدأ محاكمة النوايا. تُفتَّش التفاصيل الصغيرة، وتُستدعى الحكايات القديمة، وتُضخَّم الأخطاء العابرة، وتُنسج الروايات حول كل خطوة. وإذا عجزوا عن إنكار الإنجاز، حاولوا التقليل من قيمته، وإذا لم يستطيعوا إسقاط صاحبه، بحثوا عن طريقة لتشويه صورته. إن بعض النفوس لا يرضيها أن تنطفئ شمعة الآخرين فحسب، بل تريد إقناع الجميع بأن الضوء الذى أضاءوه لم يكن ضوءًا حقيقيًا من الأساس.
ولعل أخطر ما فى هذه الظاهرة أنها لا تتوقف عند حدود العلاقات الشخصية؛ بل قد تمتد إلى بيئات العمل والمؤسسات، حين يصبح التميز مصدر قلق بدلًا من أن يكون قيمة مضافة. هناك من يحارب زميله لأنه مجتهد، ويحاصر فكرة لأنها لم تأتِ منه، ويقاوم موهبة لأنها قد تسحب البساط من تحت قدميه. وهكذا تخسر المؤسسات طاقات كان يمكن أن تدفعها إلى الأمام؛ لا لعيب فى أصحابها، بل لأن البعض يفضل البقاء فى موقعه على أن يرى غيره يتقدم.
لكن الإنصاف يقتضى ألا نضع كل نقد فى خانة الحسد، أو كل اختلاف فى خانة العداء؛ فالنقد الصادق ضرورة، والمراجعة الموضوعية طريق للتطور. الفارق كبير بين من ينتقدك ليصحح مسارك، ومن يترصدك ليوقفه، بين من يختلف معك احترامًا للحقيقة، ومن يختلق لك الأخطاء خوفًا من الحقيقة التى يمثلها نجاحك.
والنجاح الحقيقى لا يحتاج إلى معركة يومية لإثبات الاستحقاق أمام كل عابر، ولا إلى تبرير مستمر لكل خطوة. يكفى صاحبه أن يعمل بضمير، وأن يحفظ للناس حقوقهم، وألا يسمح لغرور الإنجاز بأن يفسده، أو لضجيج الحاقدين بأن يسرق منه سلامه. فليس مطلوبًا منك أن تقنع الجميع بك، أو أن تنتظر تصفيق الذين يزعجهم تقدمك؛ فبعض المعارك يكفى أن ترفض دخولها حتى تنتصر.
وفى النهاية، ستظل الحياة أوسع من ضغائن العابرين، وأبقى من أحكام المتربصين. وسيأتى يوم تُنسى فيه الأصوات التى شككت، وتبقى الآثار التى صنعتها الأيدى المخلصة. فلا تجعل نجاحك اعتذارًا تقدمه للآخرين، ولا تجعل خوفهم منك سببًا للتراجع. امضِ فى طريقك متواضعًا دون انكسار، واثقًا دون غرور، عادلًا دون انتقام؛ فليس ذنب الناجح أن الآخرين لم يجتهدوا بما يكفى، وليس من العدل أن يدفع ثمن نجاحه إرضاءً لمن لم يحتملوا رؤيته.
[email protected]