خارج السطر
كان مارتن لوثر كينج يُردد عبارة اعتبرها البعض قانونا حاكما تقول «إننا لا نصنع التاريخ، لكنه هو الذى يصنعنا».
غير أن هذه العبارة تتهاوى متى نظرنا فى تاريخ الشرق العربى، فثمة أشخاص استثنائيون لا يتكررون أبدا. ولاشك أن وجودهم كان مُحركا لأحداث كبرى، ولما غابوا تبدلت كثير من الأحوال والمصائر.
من هُنا ينظر المرء بعين التقدير لاعلان السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، إصراره على الاكتفاء بفترة رئاسته الحالية المُنتهية عام 2030، ورفضه مطالب البعض تعديل الدستور للبقاء فترات إضافية.
بدا الأمر مفاجئا لأن مصر والعالم العربى لم يشهدا حاكما ترك مقعده بمحض إرادته دون حيل كان الجميع يستسلمون لضغوط المقربين بالاستمرار ضمانا للاستقرار، فى ظل ما يُسمى بحاكم الضرورة.
من هنا لاح القرار إنجازا تاريخيا عظيما يُحسب للرجل الذى حقق إنجازات تنموية لا يمكن إنكارها، وأعاد الأمان والاستقرار لبر مصر بعد سنوات من التشتت وإطلال شبح الحرب الأهلية. ومهما اختلفنا مع بعض السياسات خلال السنوات الماضية، فإنه يحسب له أنه حافظ على الوطن وسط تحولات وتغيرات كبرى عاتية، ونجا من رهانات وتحديات اقتصادية صعبة. وهذا فى ظنى هو أعظم إنجاز يتركه حاكم لشعبه: الصدق فى العهد، والبناء المؤسسى، والعمل الجماعى الذى يتجاوز الأفراد. وهو ما يجعله فريدا بين حكام مصر الـ45 الذين تولوا حكم مصر بداية من محمد على عام 1805.
كان أطول حكام مصر بقاء فى السلطة هو محمد على الذى ظل 43 عامًا، أنشأ خلالها الجيش الحديث، وحقق انتصارات خارجية، وتوسع فى المشروعات العامة والرى والزراعة وأسس بدايات الصناعة، واهتم بالإدارة، والتعليم. وتلاه الرئيس مبارك الذى ظل فى الحكم ثلاثين عامًا، ثُم الخديو عباس حلمى الثانى الذى بقى فى السلطة 22 عامًا، ومن بعده السلطان فؤاد الذى حكم لستة عشر عامًا.
ولا شك أن كلا منهم كانت له إنجازات وبصمات، وقطعا كانت لهم أخطاء وخطايا، والتاريخ مُعلم بارع وحكم عدل يزن كل عمل بميزان من ذهب.
لم تكن العبرة أبدا بمدد البقاء فى الحكم، بقدر ما تركه كل حاكم من منافع للناس. كم طريقًا عبّد؟ كم مدينة أقام؟ وكم مشروعا لخدمة البشر ظل بعد رحيله؟ وكم أثرا طيبا ترك للأجيال القادمة؟
إن موبوتو سيسيكو حكم الكونغو الديمقراطية نحو ثلاثين عامًا انتهت فى 1995 بفوضى صاخبة ومجاعة اقتصادية فرعلى أثرها إلى المغرب حيث توفى هُناك. كان تليفزيون بلاده يقول كُل يوم للمواطنين «تعلموا أن تطيعوا وتغلقوا أفواهكم». وكان من الطريف ما ذكره فى أحد حواراته الصحفية فى المنفى بأنه ظل على رأس السُلطة ثلاثين عاما لكنه لم يشُق طريقًا واحدا لأنه كان يظن أن الأهالى سيستخدمونه للوصول إليه والإطاحة به.
وفى ظنى، فإن الرئيس السيسى يؤكد مرة أخرى أن تأسيس الجمهورية الجديدة يكون بالفعل لا القول، تقديم المثال الحى على الالتزام التام بالدستور، والعمل الجاد على التحول من إدارة الأفراد إلى إدارة المؤسسات.
فمصر العظيمة المتجددة الصاحية القوية أكبر من أن يحكمها فرد واحد يرى كل شىء، ويقرر وحده كل شىء، وراياتها باقية خفاقة أمام كافة التحديات والصعاب.
والله اعلم.
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض