رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

الراوى

«ليست كل الحكايات للتسلية… بعضها مرآة، نرى فيها ما لا نحب أن نراه».
يحكى الراوى أن أخطر الأشياء ليست تلك التى تصدمنا فى لحظتها؛ وإنما تلك التى تتكرر أمام أعيننا حتى تفقد قدرتها على إدهاشنا، فالمصيبة حين تقع مرة تكون حادثًا، وحين تتكرر تصبح ظاهرة، لكن حين نعتادها تتحول إلى جزء من حياتنا، وربما إلى شيء لا نراه أصلًا. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية؛ لأن الإنسان لا يخشى ما يراه بقدر ما يخشى أن يألفه، حتى يصبح القبح مألوفًا، والخطأ عاديًا، وما كان بالأمس مرفوضًا أضحى مجرد تفصيل صغير فى يوم مزدحم.
فى زمان مضى، كان الخطأ يحرج صاحبه، والكذب يحتاج إلى قدر من الجرأة، والظلم يختبئ خلف الأبواب. أما اليوم، فقد أصبح بعضنا يتعامل مع أشياء كانت بالأمس مرفوضة وكأنها تفاصيل عادية. نرى من يتحدث عن الأمانة وهو أول من يخونها، ومن يجرح الآخرين بكلامه ثم يحدثنا عن الأخلاق، ومن يرفع صوته دفاعًا عن الحق، بينما يتحايل عليه ويمكر حين يصبح الحق فى غير مصلحته، فنمرّ على ذلك كله بابتسامة عابرة، وكأن التناقض أصبح جزءًا طبيعيًا من المشهد.
المشكلة ليست فى أن الإنسان يخطئ؛ فالخطأ جزء من طبيعته؛ وإنما فى أن نمنح الخطأ شرعية الصمت، ونتركه يتكرر حتى يتحول إلى عادة، ثم إلى عُرف، ثم إلى شيء يشبه الحقيقة. والأخطر أن السؤال لم يعد: «هل هذا صحيح؟»، بل أصبح: «هل الجميع يفعل ذلك؟». فإذا فعله الجميع صار الأمر عاديًا، وإذا صمتوا أصبح الاعتراض بطولة، وإذا تجاوزوه صار الالتزام سذاجة!
وهكذا، لا يتغير المجتمع فقط بما يفعله المسيئون، وإنما يتغير أيضًا بما يعتاده الطيبون. قد نرى ظلمًا صغيرًا فنقول: «لا شأن لنا»، ونسمع كذبة واضحة فنبتلع اعتراضنا حتى لا نخسر أحدًا، ونؤجل كلمة طيبة كان يمكن أن تصنع فارقًا فى حياة إنسان. تبدو هذه المواقف صغيرة، لكنها تتراكم حتى تصنع جدارًا اسمه «الاعتياد».
الحياة لا تفسد فجأة، يا سادة؛ إنها تتآكل ببطء؛ من تنازل صغير، وصمت صغير، وتبرير صغير، حتى نستيقظ يومًا فنكتشف أننا أصبحنا نعيش وسط أشياء كنا بالأمس نرفض مجرد التفكير فيها. وما كان يثير غضبنا أصبح يمر أمامنا دون أن نحرك ساكنًا، حتى فقدنا القدرة على التمييز بين ما ينبغى أن يكون وما أصبح بالفعل.
يقول الراوى: ليست المشكلة فى رؤية الخطأ لأن العين تراه، وليست أيضًا فى معرفة الصواب لأن العقل يدركه؛ إنما تبدو تلك المشكلة فى أن يتجاور الاثنان فى داخلنا، ثم نختار الصمت. فالصمت فى بعض المواقف ليس حيادًا، والتبرير المتكرر للخطأ قد يكون أخطر من الخطأ نفسه؛ لأنه يمنحه عمرًا أطول من عمر أصحابه.
ومن ثَمّ، كانت أخطر الحكايات هى تلك التى لا تنتهى، لأنها لا تُروى عن أشخاص آخرين، وإنما تُكتب كل يوم فى تفاصيل حياتنا؛ حكاية نعرف بدايتها، ونرى أحداثها، ونشكو نتائجها، ثم نعود فى اليوم التالى لنكررها من جديد.
والأخطر من كل ما يحدث حولنا، ليس أن يخطئ المخطئ، ولا أن يتجاوز المتجاوز، ولا أن يكذب الكاذب؛ فهذه أفعال يمكن مواجهتها ومحاسبة أصحابها. الأخطر أن نفقد دهشتنا، وأن يصبح القبح مألوفًا، والظلم عاديًا، والكذب وجهة نظر، والضمير صوتًا يمكن خفضه متى أزعجنا!
عندها فقط لا نكون قد اعتدنا الحكاية؛ بل نكون قد أصبحنا جزءًا منها.
[email protected]