خارج المقصورة
استوقفتنى عدة نقاط فى حديث عمر رضوان، رئيس البورصة المصرية، خلال لقائه صحفيى سوق المال على هامش مؤتمر «MONEY MADE SIMPLE» الذى أقيم مؤخرا بمدينة الإسكندرية.
اللافت فى الحديث لم يكن صعود البورصة إلى قمم تاريخية غير مسبوقة، ولا قفزات معدلات التداول، فهذه التطورات، على أهميتها، تظل لها تفسيراتها وحساباتها المنطقية، لكن ما استوقفنى كان حديثه وتحذيراته للمستثمرين الشباب، خاصة حديثى العهد بالاستثمار فى سوق الأسهم، من الانسياق وراء التوصيات التى تروج لها جروبات «تليجرام» و«واتساب» و«فيسبوك»، وغيرها من منصات التواصل الاجتماعى.
تحذيرات رئيس البورصة تعيد فتح ملف بالغ الخطورة، يتعلق بما يتعرض له صغار المستثمرين من عمليات «تلبيس» تستهدف استنزاف أموالهم، عبر توصيات تبدو فى ظاهرها فرصًا للربح، بينما قد تتحول فى حقيقتها إلى مصيدة يدفع المستثمر ثمنها من مدخراته، خاصة أن بعض هذه المنصات يقدم توصيات مدفوعة، ليجد المستثمر نفسه أمام معادلة أقرب إلى المقامرة؛ يدفع المال مقابل توصية، ثم يترك حظه يحدد ما إذا كان السهم سيرتفع أم ستتبخر آماله فى تحقيق المكاسب.
تحولت هذه الظاهرة إلى صداع مزمن فى رأس سوق المال، رغم تدخل الهيئة العامة للرقابة المالية، وتحريك دعاوى قضائية ضد ممارسى النصب والتلاعب بأحلام الباحثين عن الثراء السريع، فضلًا عن إيقاف أكواد بعض المتورطين فى هذه الممارسات. ومع ذلك، لا تزال الظاهرة تفرض نفسها، وتكشف عن فجوة بين جهود المواجهة وسرعة انتشار أساليب الاستقطاب والتضليل.
المشهد، فى جوهره، ليس جديدًا؛ فمنذ تولى الدكتور محمد عمران رئاسة الهيئة العامة للرقابة المالية، ومعه نائبه المستشار خالد النشار، بُذلت جهود لملاحقة الصفحات التى ألحقت، ولا تزال تلحق، أضرارًا بالسوق وصغار المستثمرين. لكن الجديد الذى يستحق التوقف أمامه هو اتساع نطاق الظاهرة، وانتقالها إلى منصات وتطبيقات أخرى، بعضها يقدم خدماته مقابل أموال، وهو ما أعاد عمر رضوان التحذير منه.
أما المشهد الآخر الذى استوقفنى فى حديث «رضوان»، فيتعلق بالجائزتين اللتين حصلت عليهما البورصة المصرية خلال فعاليات المؤتمر السنوى لاتحاد أسواق المال العربية، واللتين جاءتا تقديرًا لتحقيقها أعلى متوسط يومى لقيمة التداول، وأعلى متوسط يومى لأحجام التداول.
رغم أهمية هذه المؤشرات فى قياس نشاط السوق وحركة التعاملات، فإننى لا أرى فى الحصول على هاتين الجائزتين، وحده، إنجازًا كافيًا للحكم على تطور البورصة، والسبب أن قراءة أرقام التداول لا ينبغى أن تنفصل عن المتغيرات الاقتصادية والنقدية التى أثرت فيها؛ فقد أسهمت مرات خفض قيمة الجنيه المصرى أمام العملات الأجنبية فى هذه الارتفاعات، إذ أصبح الدولار الواحد قادرًا على شراء عدد أكبر من الأسهم المصرية مقارنة بما كان عليه الوضع سابقًا.
وبالتالى، فإن التحدى الحقيقى لا يكمن فى حصد الجوائز أو تسجيل أرقام قياسية فحسب، وإنما فى ترجمة هذه المؤشرات إلى تطور مستدام يعكس عمق السوق، ويحسن كفاءته، ويعزز قدرته على جذب الاستثمارات طويلة الأجل، ويمنح المستثمرين أدوات أكثر تنوعًا وبيئة أكثر انضباطًا.
على أى حال، يترقب السواد الأعظم من المستثمرين والمراقبين مزيدًا من التحركات من رئيس البورصة، تتجاوز الاحتفاء بالأرقام والنتائج الآنية إلى العمل على تطوير السوق، ووضع استراتيجية متكاملة وواضحة المعالم، يمكن من خلالها تقييم التجربة وقياس ما تحقق من أهداف، وما لا يزال ينتظر التنفيذ.
< يا سادة.. ليس عيبًا أن يحلم المستثمر بسوق أسهم أكثر تطورًا، وأكثر قدرة على المنافسة، فالأهم أن يسير هذا التطور جنبًا إلى جنب مع حماية المستثمرين، وصون أموالهم، فالبورصة القوية ليست تلك التى تسجل قممًا تاريخية فحسب، بل تلك التى تمنح المستثمر الثقة فى أن أمواله تتحرك داخل سوق أكثر عدالة وشفافية وانضباطًا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض