المواطن شريك؛ هذا هو العنوان العريض للحراك العام الواقع فى مصر حالياً. اجتماع الرئيس عبدالفتاح السيسى بمقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، بحضور رئيس مجلس الوزراء وأعضاء الحكومة والمحافظين وقيادات القوات المسلحة والشرطة وممثلين عن العمد والمشايخ والخبراء. أعتقد أن أهم ما فى هذا الاجتماع ليس فقط القضايا التى نوقشت داخله، وإنما طبيعة الاجتماع نفسه وتركيبته. نحن أمام اجتماع شديد الخصوصية؛ لأنك عندما تجد رأس الدولة المصرية يجتمع فى مكان واحد مع رئيس الحكومة، والحكومة بكامل هيئتها، ومجلس المحافظين بكامل تشكيله، وقيادات القوات المسلحة والشرطة، وكبار المسئولين والخبراء، وفى الوقت نفسه نجد ممثلين عن العمد والمشايخ والقيادات الطبيعية فى القرى والنجوع المصرية. هنا نحن أمام صورة مصغرة للدولة المصرية بكل مستوياتها: من مستوى القيادة وصناعة القرار الاستراتيجى، إلى مستوى الإدارة التنفيذية، وصولاً إلى المجتمع المحلى والقيادات الطبيعية التى تعرف تفاصيل الشارع والقرية والمواطن. وهذه هى الرسالة الأهم: الدولة لا تحمى نفسها فقط من خلال مؤسساتها السيادية، وإنما تحمى نفسها أيضاً من خلال مجتمع متماسك وواعٍ، ومن خلال اتصال حقيقى بين مركز الدولة وأطرافها. الرسالة الأعمق للاجتماع هى أن حماية مصر تبدأ من الداخل، فهناك فارق بين أن نختلف حول السياسات، وبين أن نختلف على بقاء الدولة نفسها.
تلى الاجتماع إعلان الرئيس عبر حساباته الرسمية بمواقع التواصل الاجتماعى، إطلاق الجلسات التحضيرية والموقع الإلكترونى الخاص بـ«منتدى مصر 2026»، داعيا كافة أطياف ومكونات الشعب المصرى والمؤسسات المصرية إلى المشاركة بفاعلية فى جلسات المنتدى، إذن نحن نتحدث عن دعوة مفتوحة للجميع، غير قاصرة على الخبراء والأكاديميين، دعوة عنوانها «المواطن شريك»، الدولة تريد أن تعرض على المواطن ما قامت به من جهود فى خضم التحديات غير المسبوقة، والمواطن يريد من يسمع له، والمصلحة وطنية واحدة فى النهاية.
لكن أتمنى أن نستفيد من تجربة الحوار الوطنى، بأن تكون جلسات «منتدى مصر 2026» شديدة التركيز، وأن تستفيد الدولة من مخرجات المنتدى، وتعالج مواطن القصور التى تؤرق المواطن المصرى، وتضغط عليه حتى لا يتحول المنتدى إلى مجرد «مكلمة» بلا أثر. إننا اليوم فى احتياجٍ حقيقى وحاسم لإنتاج حوارٍ فعال؛ فالخطوة الأولى نحو اصطفافٍ وتماسكٍ داخلى تبدأ بالتوافق، ولا سبيل لترسيخ هذا التوافق إلا بحوارٍ جاد يترجم آلام الشارع إلى قراراتٍ واضحة وملموسة.
الرسالة الثانية مفادها لا تختبروا صبر مصر والمصريين، فالصبر المصرى ليس ضعفاً، ولا تفهموا الهدوء المصرى باعتباره عجزاً عن الفعل. بعض القوى الإقليمية تفسر الصبر المصرى على أنه ضعف أو عجز أو افتقار للقدرة، لكنها لا تعلم أنه قوة. قوة مصر فى صبرها الاستراتيجى إزاء القضايا المصيرية؛ فضبط النفس وتحمل التحديات والضغوط الإقليمية والدولية ليس ضعفاً، بل استراتيجية واعية لحماية الأمن القومى المصرى، ومسئولية وقدر مصر كدولة مركزية فى الإقليم أن تكون ركيزة للاستقرار وليس العكس. الدولة المصرية تتبنى نهجًا يتسم بالتريث وحساب العواقب، وعدم المغامرة فى التعامل مع الملفات الحساسة، نُغَلِّب ونقدم الأطر السلمية والحلول والأدوات الدبلوماسية، لكن هذا لا يعنى بأى حال من الأحوال أننا نفتقر لقدرات القوة الخشنة، أو أننا عاجزون عن استخدامها، لكن ندرك أن تكلفة عدم الاستقرار باهظة على الجميع
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض