رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

لم يعد الذكاء الاصطناعى حديثًا عن المستقبل فقد أصبح حاضرًا فى المدرسة والجامعة والمصنع والمستشفى والإعلام ومؤسسات الدولة، وبدأ يشارك الإنسان فى الكتابة والتحليل والترجمة والتصميم والبحث، ويمتد تأثيره إلى كثير من مجالات العمل والحياة.
ومع هذا الانتشار يُفرض علينا سؤال مهم نفسه: هل سيحل الذكاء الاصطناعى مستقبلًا محل الإنسان فى بعض الوظائف؟
الإجابة نعم فى بعض المهام والمهن وبدرجات متفاوتة لكن هذا ليس السؤال الأخطر.. السؤال الأخطر هو إذا كانت الآلة ستغير طريقة عمل الإنسان فهل يمكن أن تغير أيضاً طريقة تفكيره؟ وإذا تغير التفكير فماذا يحدث للهوية؟ هنا تبدأ القضية الحقيقية.

ليست معركة بين الإنسان والآلة
الذكاء الاصطناعى ليس عدواً للإنسان فالتكنولوجيا لا تحمل خيراً أو شراً بذاتها وإنما تتحدد نتائجها بطريقة استخدامها والقواعد التى تحكمها والإنسان الذى يوجهها.
يمكن للذكاء الاصطناعى أن يساعد الطبيب ويرفع كفاءة المهندس ويدعم الطالب ويطور الصناعة والزراعة ويوفر الوقت والجهد ويفتح مجالات جديدة أمام الشباب.
وفى المقابل يمكن استخدامه فى نشر المعلومات المضللة وصناعة الصور والأصوات ومقاطع الفيديو المزيفة والتأثير فى الرأى العام واستغلال البيانات بصورة غير مسئولة.
إذن القضية لم تعد هل نستخدم الذكاء الاصطناعى أم نرفضه؟ فهذا السؤال حُسم بالفعل القضية هى كيف نستخدمه دون أن نفقد أنفسنا؟

الهوية المصرية.. جذور لا تعوق المستقبل
الهوية المصرية ليست مجرد تاريخ نتحدث عنه فى المناسبات ولا شعارات نرددها وإنما هى تراكم طويل صنعته آلاف السنين وشكلته الأسرة واللغة والدين والثقافة والفن والعمل والعادات والتقاليد والتجارب التى مر بها المجتمع المصرى.
هى فى طريقة المصرى فى الحديث وعلاقته بأسرته وجيرانه وقدرته على التعايش وذاكرته الشعبية وأمثاله وحكاياته وفنونه وعلاقته بأرضه ونيله ووطنه.
والهوية ليست سجناً يمنع التطور فالهوية الحقيقية هى التى تستوعب الجديد دون أن تفقد جذورها وقد عرفت مصر عبر تاريخها حضارات وثقافات وعلوماً متعددة واستطاعت أن تستوعبها وتعيد إنتاجها فى إطار شخصيتها الخاصة وهذا هو التحدى أمامنا اليوم.

الأسرة والتعليم.. خط الدفاع الأول
قبل المدرسة والجامعة والإعلام هناك الأسرة فالطفل لا يتعلم هويته من كتاب فقط وإنما يكتسبها من البيت ومن طريقة حديث والديه ومن احترامه للآخر ومن القيم التى يراها أمامه.
لكن الطفل الذى ينشأ اليوم يستطيع أن يسأل الآلة عن التاريخ والدين واللغة والعمل والحياة ويحصل على إجابة فى ثوانٍ فمن سيشكل وعيه؟
أسرته؟ مدرسته؟ معلمه؟ أم الشاشة التى أصبحت قادرة على الإجابة عن كل سؤال؟هنا تظهر أهمية التعليم وبناء الوعى فلا يكفى أن نعلم أبناءنا استخدام التكنولوجيا بل يجب أن نعلمهم كيف يسألون وكيف يتحققون وكيف يميزون بين الحقيقة والرأى والمعلومة المضللة.

اللغة والذاكرة المصرية فى العصر الرقمى
اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل وإنما وعاء للذاكرة والثقافة والتاريخ ومن هنا يجب أن تكون العربية والمحتوى المصرى على وجه الخصوص حاضرَين بقوة فى العالم الرقمى نحن بحاجة إلى رقمنة الكتب والمخطوطات والوثائق والصحف القديمة وتوثيق التراث الشعبى والحكايات والأمثال والموسيقى والفنون وإتاحتها للأجيال الجديدة بصورة حديثة وموثوقة فالسؤال لم يعد فقط ماذا سيقرأ الذكاء الاصطناعى عن مصر؟ بل من الذى سيكتب مصر داخل الذاكرة الرقمية للعالم؟

الإعلام والأمن القومى
لم تعد الشائعة تحتاج إلى صحيفة أو محطة فضائية فقد تكفى صورة مصطنعة أو تسجيل صوتى مزيف أو مقطع جرى التلاعب به لكى ينتشر خلال دقائق لذلك أصبح الوعى الرقمى جزءاً من الأمن القومى فحماية البيانات وتأمين البنية الرقمية ومواجهة التضليل والحفاظ على الوعى العام ودعم البحث العلمى وتأهيل الكوادر الوطنية كلها عناصر مترابطة فى منظومة الأمن القومى الحديث وقد بدأت مصر بالفعل فى بناء إطار وطنى للذكاء الاصطناعى وتنمية القدرات والبنية التحتية والابتكار والاستخدام المسئول لهذه التكنولوجيا لكن المسار التكنولوجى يجب أن يسير بالتوازى مع مسار أهم بناء الإنسان المصرى.

ماذا نريد من الذكاء الاصطناعي؟
نريده أن يساعد الطبيب دون أن يلغى قيمة الطبيب وأن يساعد الطالب دون أن يلغى دور المعلم وأن يرفع إنتاجية العامل دون أن يحول الإنسان إلى تابع للآلة وأن يساعد الدولة فى اتخاذ القرار دون أن يلغى المسئولية البشرية وأن يحفظ التراث لا أن يطمسه وأن يفتح أمام الشباب أبواب المستقبل لا أن يجعلهم أسرى للشاشات ولتحقيق ذلك نحتاج إلى:
١- إطلاق مشروع وطنى للذكاء الاصطناعى والهوية المصرية يضم المتخصصين فى التكنولوجيا والتعليم والثقافة والإعلام والتاريخ والقانون.
٢- إنشاء أرشيف رقمى للهوية المصرية يجمع الوثائق والكتب والصور والتسجيلات والأعمال الأدبية والفنية والتراث الشعبى.
٣- دعم المحتوى العربى والمصرى رقمياً وتطوير أدوات تفهم اللغة العربية واللهجة المصرية.
٤- إعادة تطوير التعليم ليجمع بين المعرفة الرقمية والتفكير النقدى والتحقق والابتكار.
٥- إعادة تأهيل العاملين فى المجالات التى ستتأثر بالتطور التكنولوجى.
٦- رفع الوعى بالمحتوى المزيف وحماية البيانات الشخصية والوطنية.
٧- دعم الجامعات ومراكز البحث والشركات المصرية لتطوير حلول وطنية وعدم الاكتفاء باستهلاك ما ينتجه الآخرون.
٨- تحويل الشباب من مستهلكين للتكنولوجيا إلى مبتكرين ومشاركين فى صناعتها.
فى النهاية.. ليس المطلوب أن نخاف من الذكاء الاصطناعى كما أنه ليس من الحكمة أن نفتح له كل الأبواب بلا ضوابط.
المطلوب أن ندخل هذا العصر بثقة الإنسان الذى يعرف جذوره ويعرف إلى أين يريد أن يذهب.
فمصر لا تحتاج إلى إنسان يرفض المستقبل خوفاً على الماضى ولا إلى إنسان يلهث وراء المستقبل وينسى ماضيه.
نحتاج إلى إنسان يجمع بين الاثنين إنسان يعرف تاريخه ويحترم لغته ويعتز بوطنه ويفهم عصره ويستخدم التكنولوجيا ويفكر بنفسه.
فالخطر الحقيقى ليس أن تصبح الآلة أذكى وإنما أن يصبح الإنسان أقل تفكيراً.
ولهذا فإن السؤال الذى يجب أن نضعه أمام أنفسنا اليوم ليس فقط هل سيحل الذكاء الاصطناعى محل الإنسان؟ بل أى إنسان نريد أن نصنعه فى زمن الآلة؟ فنحن لسنا أمام معركة بين الإنسان والآلة وإنما أمام مسئولية تاريخية أن ندخل عصر الذكاء الاصطناعى بعقل مفتوح دون أن ندخله بذاكرة مغلقة وأن نصنع إنساناً مصرياً يقود التكنولوجيا ولا يسمح للتكنولوجيا بأن تقود هويته.
بناء الإنسان.. بناء الوطن.. صناعة المستقبل