رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

على فكرة

حينما هممت بمغاردة منزل الدكتور حيدر إبراهيم فى ضاحية المعادى، بعد عيادته للاطمئنان عليه من مرض عضال، تساءلت بينى وبين نفسى، ما العلاقة يا ترى بين مرضه، وبين ما آل إليه حال وطنه السودان، الذى لا تلوح فى الأفق أية مؤشرات تبشر بنجاحه فى الإفلات من فخاخ لا ضمير لها، تمعن فى نهبه واستغلاله وتفتيته وتهجير أهله؟ أظنها علاقة وثيقة، بل هى العروة الوثقى لا انفصام بينهما. فما بال مفكر مثله وأحد معالم الحياة الثقافية والفكرية ليس فى السودان فحسب، بل فى المنطقة العربية، تجبره الظروف على مغادرة الوطن الذى ولد ونشأ وتربى فيه وعرف تضاريسه وأهله، ووهب له حياته عبر مشروعه الفكرى والثقافى والبحثى، على مدار أكثر من نصف قرن، وهو مجبر على العيش بعيدا عنه، يرقب بوعيه وبصيرته وعلمه ودراساته الغزيرة عنه، خطواته التعيسة التى تمضى سريعا نحو مستقبل مجهول.
وبرغم زيارتى للسودان أكثر من مرة، فقد عرفت دكتور حيدر فى القاهرة التى أحبها ونال من جامعتها شهادة الليسانس فى علم الاجتماع، وأعقبها بنيل شهادة الدكتوراه فى فلسفة علم الاجتماع من جامعة فرانكفورت الألمانية. التقيت به للمرة الأولى فى مقر صحيفة الأهالى وسط المدينة. جاء متحمسا لكى يخبرنا بتأسيسه لمركز الدراسات السوادنية فى القاهرة، بعدما استولى فرع جماعة الإخوان فى السودان على السلطة، فى انقلاب على حكومة الصادق المهدى المنتخبة، وشطب منذئذ كلمة ديمقراطية ومبدأ تداول السلطة من الحياة السياسية السودانية، لبلد يزخر بتنوعه الثقافى والعرقى والدينى والسياسى والحزبى، وشعب يفيض فخرا بهذا التنوع، ويتباهى به.
من قال إنك سوادنى أنت مصرى خالص؟ ضحك دكتور حيدر بعمق، ورد على ملاحظتى بحيوية وذكاء : لا فرق، ما احنا كنا بلد واحدة. عبر اللقاء الأول تكشفت ملامح شخصيته، تواضع جم، حيوية خارقة، وجاذبية محببة، تمنح من يلتقيه للمرة الأولى ألفة الإحساس بأنهما صديقان قديمان، خفة ظل وسرعة بديهة، وإلمام عميق بتاريخ بلدينا وهموم المنطقة. وربما يشى اختياره اسمى ابنيه، «مظفر» تيمنًا باسم الشاعر العراقى الكبير «مظفر النواب»، و«أنديرا سمية أنديرا غاندى»، بتكامل أفكاره واتساق مواقفه، مع حياته الشخصية، بالرمزية التى يحملها الاسمان من تاريخ مثقل بالتوق الغامر للحرية والتقدم والاستقلال وقهر الغاصبين، تلك الرمزية التى تجلت فى الشعر وفى السياسة. 
وظف الدكتور حيدر العمل البحثى لمركز الدرسات السودانية فى القاهرة، وفى عمله خارجها لخدمة القضية السوانية من كافة جوانبها، واحتفى بالمبدعات السودانيات وانتاجهن، ولعله أول من حذر من خطر تصاعد حركات الإسلام السياسى فى المنطقة، على الحريات العامة وعلى الديمقراطية والحكم الرشيد، وأول من لفت النظر إلى المتاجرة بالدين والفتوى لخدمة أغراض سياسية، وأصلها فى كتاباته ودراساته.
والخسارة التى يحملها رحيل المفكر الدكتور حيدر إبراهيم على قبل أيام، أكبر من أن تحصى. وبرحيله تفقد تيارات الاستنارة والتقدم والحداثة والعقلانية، علمًا من أبرز وأشجع رموزها. وإذا كان من عزاء لتلك الخسارة، فهو أنه قاد رحلته بنزاهة عقلية جلية، وأخلص لما كتبه وقاله وعاشه، وأضاء بأفكاره عقولًا، وأيقظ ضمائر، ولم يكن يتخلى حتى اللحظات الأخيرة 
بأمل أن ينجلى الظلام، وأن تنكسر شوكة الغاصبين والمستبدين، لأنه «ما استعصى على قوم منال، إذا الإقدام كان لهم ركابا» إنه «ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل».
أما أنا فصارت معاناة الفقد تلاحقنى فى صحوى ومنامى، وخسارتى برحيل دكتور حيدر فاجعة وعصية على الاحتواء. فبرحيله افتقدت صديقًا وفيًا، وإنسانًا دمث الخلق، سمح الطباع، وأستاذًا ومعلمًا. لكن من مثله يغيب عن النظر، ويبقى أثره فى القلب والوجدان. مع السلامة دكتور حيدر، وطِبتَ حيًّا وميتًا يا صديقى العزيز الغالى.