في حوار خاص لـ"الوفد".. زينب إسماعيل أول سيدة ترأس مسجدًا في روما تتحدث عن هموم النساء والأسر
في قلب العاصمة الإيطالية روما، تخوض المصرية زينب إسماعيل تجربة استثنائية في العمل المجتمعي والديني، بعدما أصبحت رئيسة لمسجد الهدى، في موقع أثار دهشة واعتراض البعض، لكنه تحول مع الوقت إلى نموذج مختلف لحضور المرأة المسلمة في المجال العام، وقدرتها على إدارة مؤسسة تخدم أبناء الجاليات العربية والإسلامية، والانفتاح في الوقت نفسه على المجتمع الإيطالي ومؤسساته الدينية والمجتمعية.
رحلة “إسماعيل” لم تبدأ من موقع قيادي، وإنما من العمل التطوعي وخدمة الناس، سيدة مصرية حاصلة على ليسانس حقوق، عملت في مجال الضرائب قبل أن تنتقل إلى إيطاليا عام 1994، لتجد نفسها تدريجيًا وسط أبناء الجالية، تشارك في الأنشطة الرمضانية، وتساعد النساء والأسر، قبل أن تختارها الجمعية العمومية رئيسة لمسجد الهدى.
لكن رئاسة المسجد بالنسبة إليها لم تكن هدفًا أو بحثًا عن منصب، بقدر ما كانت مسؤولية ورسالة؛ رسالة تتجاوز حدود المسجد إلى المجتمع الإيطالي، وتقوم على تقديم صورة مختلفة عن المسلم والمصرية والمرأة العربية.
وفي حوارها للوفد، تكشف زينب إسماعيل تفاصيل تجربتها، وكيف واجهت الاعتراض على تولي امرأة رئاسة مسجد، ودورها في مساعدة النساء ضحايا العنف الأسري، وحلمها بإنشاء ملاذ آمن للأسر المتعثرة، ورؤيتها لمستقبل الشباب المصري في إيطاليا، وعلاقتها بالسفارة المصرية، فضلًا عن مطالبها للمصريين في الخارج، وعلى رأسها ملف رخص القيادة والخدمات القنصلية.

وإليكم نص الحوار:-
كيف بدأت قصتك مع العمل العام، وكيف وصلتِ إلى رئاسة مسجد الهدى في روما؟
أنا سيدة مصرية عادية، حصلت على ليسانس حقوق، وعملت في مجال الضرائب، ثم حصلت على إجازة عندما سافرت إلى إيطاليا عام 1994، في البداية، كنت أرى عددًا كبيرًا من السيدات داخل المسجد يشاركن في الأعمال التطوعية، خاصة خلال شهر رمضان، من إعداد الطعام وتنظيم الأنشطة وخدمة المصلين، ومع الوقت أصبحت واحدة من السيدات المشاركات في هذه الأنشطة، ثم جاء اجتماع للجمعية العمومية، وفوجئت باختياري لرئاسة المسجد.
بصراحة، كانت صدمة بالنسبة لي، وكانت أيضًا صدمة للكثير من الموجودين؛ لأن السؤال الذي طرح نفسه وقتها كان كيف تأتي امرأة لتكون رئيسة لمسجد، لكنني لم أكن أبحث عن كرسي أو منصب، كنت أعمل وأخدم الناس، ووجدت نفسي فجأة أمام مسؤولية كبيرة.
كيف كان رد فعل المجتمع المسلم في روما تجاه توليكِ رئاسة مسجد الهدى، خاصة أنكِ امرأة؟
كانت هناك حالة من الدهشة في البداية، وبعض الناس اعترضوا بالفعل، وطرحوا تساؤلات من نوع" كيف يمكن أن تكون امرأة هي رئيسة المسجد؟" وكيف يمكن أن نصلي في مسجد ترأسه امرأة؟، لكنني كنت محظوظة بوجود عدد من الرجال المثقفين الذين دافعوا عن الفكرة، ورأوا أننا نعيش في مجتمع أوروبي، وأن وجود امرأة في موقع قيادي يمكن أن يكون رسالة مهمة، ومسجد الهدى من المساجد الكبيرة في روما، ويقع في منطقة شعبية، ويأتي إليه عدد كبير من الناس، ويمثل مساحة مهمة للكثير من أبناء الجالية العربية والإسلامية.
هل شعرتِ أن المجتمع الإيطالي ينظر أحيانًا إلى المرأة المسلمة باعتبارها أقل مكانة؟
هناك تصور لدى بعض الأوروبيين بأن الإسلام يظلم المرأة ويجعلها في مرتبة ثانية، وأحيانًا يتم تفسير بعض الممارسات الدينية بشكل خاطئ، كنت دائمًا أقول لأبنائي، الإيطالي يستطيع أن يخطئ لأنه لا يمثل دينًا أمام الناس، أما أنتم فلا، لأن الناس لا يعرفون الإسلام إلا من خلالكم، وأنتم الصورة التي يرونها أمامهم عن الإسلام.
كنت أريد أن يقول الناس: “المصري المسلم ناجح”، وليس أن ترتبط الصورة فقط بالأشياء السلبية، نحن أحيانًا لا نعرف كيف نظهر الخير الموجود فينا، والمشكلة ليست أن الخير قليل، وإنما أن السيئ يكون صوته أعلى أحيانًا، فيظهر بصورة أكبر، ومواجهة الصورة النمطية لا تكون بالصدام، وإنما بالحجة والعمل الجيد وإظهار الحقيقة.
وهل واجهتِ مواقف مباشرة بسبب كونكِ امرأة مسلمة تتولى قيادة مسجد؟
واجهت مواقف كثيرة، لكنني لا أحب الصدام لمجرد الصدام، إذا كان الموقف يمكن تجاوزه بهدوء، أتجاوزه، أما إذا كان هناك موقف يحتاج إلى إثبات حق، فلا أتراجع، القوة بالنسبة لي ليست أن تذهب وتتخانق، وإنما أن تعرف حقك جيدًا، وأن تكون لديك الحجة وأنت تتحدث.

هل تعرضتِ لموقف مشابه مع شخصيات دينية إيطالية؟
أتذكر أنني التقيت البابا فرنسيس مرتين، وفي إحدى المرات قدموني له باعتباري رئيسة المسجد، فقال إن الإسلام لا توجد فيه رئيسة امرأة، أوضحت له أن هناك سوء فهم، فأنا لا أصلي بالرجال، لكن الإسلام لا يمنع المرأة من أن تكون في موقع قيادي أو إداري، وقلت له أيضًا إن التعامل معي سيجعله يعرف بنفسه هل أنا مجرد صورة أم أنني أمارس دوري بالفعل.
ما الدور الذي يقوم به مسجد الهدى داخل المجتمع الإيطالي؟
المسجد لا يقتصر على المصريين، وإنما يقدم خدماته للجالية العربية والإسلامية بشكل عام، سواء من المغاربة أو التونسيين أو الجزائريين وغيرهم، لدينا مدرسة لتعليم اللغة العربية والدين، ويصل عدد الطلاب فيها إلى نحو 400 طالب، كما نقدم مساعدات لأبناء الجالية في الحالات التي تحتاج إلى دعم.
ولدينا أيضًا نشاط خاص بالشباب المسلمين، ومعظم المشاركين فيه من أبناء الجيل الذي ولد ونشأ في إيطاليا، وكثير منهم من خريجي الجامعات أو الدارسين فيها، ومن الأنشطة المهمة كذلك مسابقات حفظ وتلاوة القرآن خلال شهر رمضان، حيث أستمع إلى نحو 65 طالبًا وطالبة من مختلف الأعمار، بداية من الأطفال وحتى كبار السن، ويتم توزيع جوائز عليهم.
هل يقتصر دور المسجد على خدمة أبناء الجالية داخل روما؟
لدينا علاقات واسعة مع مؤسسات دينية ومجتمعية في إيطاليا، وعلاقة جيدة جدًا مع الكنيسة المجاورة، نشارك في فعاليات للحوار بين الأديان، كما تتم دعوتنا إلى فعاليات خارج روما، المسجد أصبح معروفًا لدى كثير من الناس، وحتى من يبحث عن استشارة أو مساعدة من أبناء الجاليات العربية والإسلامية قد يصل إلى المسجد، وموقعه مهم أيضًا، فهو يقع في منطقة شعبية بها عدد كبير من العرب، وبالقرب منه سوق كبير للمنتجات العربية، وهذا جعله مساحة تجمع مهمة.
لماذا تضعين الشباب في مقدمة أولوياتك داخل المسجد؟
أنا دائمًا أقول للشباب، نحن الكبار يجب أن نعطيكم الفرصة لا أحد سيظل في الكرسي إلى الأبد، عندما يعمل الشباب ونحن ما زلنا موجودين، نستطيع أن نساعدهم ونصحح لهم إذا أخطأوا، أما إذا انتظرنا حتى نرحل، ثم جاء الشباب ليجدوا أنفسهم أمام المسؤولية وحدهم، فقد لا يعرفون كيف يديرون الأمور.
هل شارك مسجد الهدى في مبادرات تجمع المسلمين والمسيحيين؟
نعم، أقمت إفطارًا في الكنيسة المجاورة للمسجد، وحضر نحو 1000 شخص من المسلمين والمسيحيين والعرب والإيطاليين، كان الهدف أن يرى الجميع أننا نستطيع أن نعيش معًا، وأن الدين لا يمنع التواصل والمحبة والتعاون، فالإفطار كان رسالة عملية أكثر من كونه مجرد مناسبة، لأنه أظهر كيف يمكن للمسجد والكنيسة أن يفتحا أبوابهما للمجتمع.

ما أبرز التحديات التي تواجه المرأة المصرية في الغربة؟
المرأة المصرية في الغربة تواجه تحديات كثيرة، لأنها في أحيان كثيرة تقوم بدورين في الوقت نفسه، الرجل يكون معظم يومه في العمل، بينما المرأة تكون مسؤولة عن الأبناء والمدرسة والطبيب والبيت والعديد من التفاصيل اليومية.
وفي السنوات الأخيرة أصبحت الظروف الاقتصادية أكثر صعوبة في أوروبا، ولذلك أصبحت المرأة نفسها في حاجة إلى العمل، وهنا تظهر مشكلة أخرى وهي اللغة، إذا لم تتعلم المرأة اللغة، يصبح من الصعب عليها الحصول على عمل أو التعامل مع المجتمع، وأحيانًا تكون المرأة المصرية خائفة من الخطأ، فتفضل أن تجلس في المنزل، لكن الخوف من الخطأ لا يحل المشكلة وإنما يؤخر الإنسان، أنا دائمًا أقول للمرأة: “لا تختبئي”.
وكيف يساعد مسجد الهدى المرأة على تجاوز هذه العقبات؟
نحن لا نقتصر على تعليم اللغة العربية والدين، وإنما نساعد أيضًا في تعليم اللغة الإيطالية لغير الناطقين بها، وأتمنى أن نستطيع مستقبلًا توفير آليات لتعليم السيدات بعض المهن، مثل الخياطة وغيرها، حتى تكون لديها فرصة للعمل والاستقلال.
هناك أيضًا مجموعات من الجيل الجديد من الفتيات يساعدن بعضهن البعض، ويتعلمن القيادة، ويدخلن في مجموعات اجتماعية، وهذا أمر إيجابي جدًا، تعلم القيادة مثلًا يحل مشكلة كبيرة للمرأة، لأنها تصبح قادرة على الذهاب إلى الطبيب، وتوصيل أبنائها إلى المدرسة، وقضاء احتياجاتها بنفسها، هذه كلها خطوات صغيرة، لكنها تساعد المرأة على أن تكون أكثر استقلالًا وثقة في نفسها.
ما أبرز الحالات الإنسانية التي لا تزال عالقة في ذاكرتك؟
تصل إلينا حالات إنسانية كثيرة، وأحيانًا تكون الظروف صعبة جدًا، أتذكر سيدة مصرية تواصلت معي خلال شهر رمضان الماضي، وكانت قد ذهبت إلى المسجد أثناء غيابي، وقالت للعاملين هناك: “أريد الحاجة”، لأن الناس أخبروها أن تلجأ إلي إذا كانت لديها مشكلة.
اتصلت بها وسألتها عن ظروفها، فأخبرتني أن زوجها تركها منذ يومين هي وأطفالها الثلاثة، ولم يكن لديهم طعام، وفوجئت بأن والدها أخبرها أن هناك ورقة طلاق في المنزل، بالنسبة لي، لم يكن موضوع الطلاق هو الأولوية في تلك اللحظة، وإنما كان الأهم أن الأطفال ليس لديهم طعام.
طلبت منها أن تأتي إلى المسجد، وذهبت إليها بما توفر لدينا من مواد غذائية، خصوصًا أن شهر رمضان يشهد تبرعات كثيرة من أبناء الجالية، وضعت لها أيضًا مبلغًا من المال، وقلت لها إننا سنجلس ونرى كيف يمكن التعامل مع الأزمة، وإذا احتاجت إلى محامٍ سنبحث لها عن شخص يساعدها.
لكن الموقف الأكثر تأثيرًا حدث في اليوم التالي، عندما اتصلت بي وقالت إن أطفالها لا يريدون تناول الطعام أو استخدام المال؛ لأنهم يرون أنهم ليسوا فقراء ولا يريدون أن يأخذوا أموالًا من المسجد، قلت لها: “أحضريهم إليّ”.
تحدثت معهم وقلت لهم إن المال هدية من إحدى السيدات لهم حتى يستطيعوا تناول الطعام، وعندما يكبرون يمكنهم إعادة المبلغ إلى المسجد ليذهب إلى شخص آخر يحتاج إليه.
بعد ذلك قررت السيدة العودة إلى مصر، فبدأنا في البحث عن تذاكر طيران لها ولأطفالها، ساهمت سيدات من الجالية في توفير قيمة التذاكر، وجمعنا مبلغًا إضافيًا لمساعدتها في الوصول إلى المطار وتوفير احتياجاتها أثناء السفر، وبالفعل عادت إلى مصر.
هل تقتصر المساعدات التي يقدمها المسجد على المسلمين أو أبناء الجالية المصرية؟
لا، الإنسانية لا تسأل عن الديانة، عندما تكون أمام إنسان يحتاج إلى مساعدة، فأنت لا تبدأ بسؤاله، أنت مسلم أم مسيحي؟ نحن نساعد الإنسان لأنه إنسان.
عندما تأتي إلينا مساعدات خلال شهر رمضان، سواء كانت لحومًا أو أسماكًا أو مواد غذائية، لا أسأل الشخص المحتاج عن ديانته، وقد وصلت مساعدات من المسجد إلى مسيحيين، فإذا كان أمامي إنسان محتاج، أساعده، لأن الإنسانية لا تسأل عن الديانة، وهذا هو الإسلام الذي أريد أن يراه الناس؛ دين فيه رحمة ومحبة ومعاملة طيبة، مع الحفاظ على كرامة الإنسان قبل أي شيء.

لماذا تتردد بعض النساء في الإبلاغ عن العنف الأسري؟
أحيانًا تكون المرأة خائفة على أطفالها، تخشى أنه إذا ذهبت واشتكت، تحدث إجراءات قانونية تجعلها تفقد قدرتها على رعاية أطفالها، ولذلك قد تضطر إلى تحمل العنف.
هناك مراكز متخصصة لمساعدة النساء اللاتي يتعرضن للعنف، وكنت في البداية لا أعرف بوجودها، لكنني عندما تعرفت عليها أدركت أنها يمكن أن تقدم دعمًا مهمًا، المشكلة أن المرأة التي تلجأ إلى هذه المراكز قد تجد نفسها أمام شروط ومسؤوليات صعبة، إذ يتعين عليها أن تبدأ خلال فترة محددة في ترتيب حياتها وتأمين مسكن وعمل حتى تتمكن من استعادة حياتها بصورة مستقرة، وهذا يجعل بعض النساء يخشين اتخاذ الخطوة الأولى.
هل تحلمين بإنشاء مكان آمن لاستقبال النساء وأطفالهن في الأزمات؟
هذا أحد أحلامي بالفعل، لدينا مبنى كامل تبرعت به الدولة لنا، لكنه حتى الآن لم يتم تنظيمه وتجهيزه بالشكل المطلوب، أتمنى أن يتم تجهيز هذا المكان ليكون ملاذًا للنساء والأسر التي تتعرض لأزمات، بحيث لا تضطر المرأة التي تواجه مشكلة أسرية إلى البقاء في مكان غير آمن أو إلى تحمل العنف خوفًا على أطفالها.
أريد أن يكون لدينا مكان نستطيع أن نستقبل فيه المرأة وأطفالها، ونساعدها على تجاوز الأزمة حتى تستعيد قدرتها على الوقوف على قدميها.
وهل تعاملتِ مع حالات عنف شديدة ضد نساء مصريات؟
نعم، وهناك حالات لا يمكن نسيانها، من بينها سيدة مصرية كانت متزوجة ولديها ثلاثة أطفال وكانت حاملًا، تعرضت للضرب في الشارع، ثم تركها زوجها في الطريق مع أطفالها، وكانت ملابسها مغطاة بالدماء.
المارة اتصلوا بالشرطة، والشرطة استدعت الإسعاف ونُقلت إلى المستشفى، كانت في حالة نفسية صعبة جدًا، ولم تكن تتحدث مع أحد، كما لم يكن لديها شخص تعتمد عليه.
تواصلت معها بعد أن عرّفتها إحدى السيدات التي تعمل في مجال الترجمة بي، وبدأنا نتحدث والمثير للإعجاب أنها استطاعت أن تتجاوز الأزمة بشكل كبير، لديها أربعة أبناء الآن، وأبناؤها من المتفوقين في المدرسة، وهي تعمل، وتمكنت من الحصول على منزل، وخرجت من المكان الذي كانت فيه، واستطاعت أن تبني حياتها من جديد، وهذه السيدة بالنسبة لي نموذج حقيقي للقوة والإصرار.

من واقع تجربتك، كيف يمكن للحوار بين الأديان أن يواجه خطاب الكراهية؟
نحن الآن في وقت صعب، ولذلك لا نحتاج فقط إلى أن نجلس ونتحدث عن الحوار بين الأديان، وإنما نحتاج أولًا إلى أن يكون كل مسلم صورة جيدة عن الإسلام، أنا لست مع فكرة أن نجلس فقط ونتبادل الكلمات والخطب ثم ينتهي الأمر، القضية أكبر من ذلك، وليست مسؤولية الإمام أو الداعية وحده، وإنما مسؤولية كل مسلم، إذا كان كل واحد منا عنوانًا جيدًا لدينه، بالتأكيد سننجح.
المطلوب أن نفتح باب الحوار دون تعصب، وأن نفهم أنني لست مطالبة بأن أعرف تفاصيل دينك، وأنت لست مطالبًا بأن تعرف تفاصيل ديني، الأهم بالنسبة لي هو فكرة بسيطة: “احترمني وأحترمك”، لا أحتاج أن أعرف ماذا تؤمن به، وإنما أحتاج إلى أن أرى منك احترامًا، وأن ترى مني احترامًا.
كيف يمكن الحفاظ على ارتباط الجيل الثاني والثالث من المصريين في إيطاليا بمصر؟
علينا أن نبحث عن الأشياء التي تجمعهم، الجيل الجديد لا يمكن أن نجمعه فقط في ندوات ونطلب منه أن يجلس لساعات ليستمع إلى شعارات وكلمات.
أنا من الناس العملية، وأرى أن الشباب يحتاجون إلى مبادرات حقيقية؛ نشاط ثقافي، أو رياضي، أو تجمع حول مباراة، أو رحلة، أو فعالية تجعلهم يشعرون بأنهم جزء من شيء، إذا جمعت الشباب حول نشاط يحبه، تستطيع بعد ذلك أن تتحدث معه عن مصر وعن هويته وعن مستقبله، لكن إذا جلست أمامه وألقيت عليه الشعارات، سيخرج من المكان ولم يتغير شيء.
وما دور اللغة في الحفاظ على هوية الأبناء؟
اللغة بالنسبة لي هي مفتاح الهوية، لدي أولاد يعيشون في إيطاليا، وأريد أن أكون مطمئنة على مستقبلهم وعلى أولادهم في المستقبل، أريدهم أن يعيشوا في إيطاليا، لكن يظل ارتباطهم بمصر قويًا.
أنا سعيدة جدًا لأن أولادي يتحدثون العربية والمصرية بصورة جيدة، وأشعر بالحزن عندما أرى طفلًا مصريًا في الخارج لا يستطيع أن يتحدث العربية حتى بكلمتين.
أريد أن يكون الجيل الجديد قادرًا على الحديث بالعربية، وفي الوقت نفسه قادرًا على الاندماج والنجاح في المجتمع الذي يعيش فيه، لا أريد أن نضعه أمام اختيار بين هويته وبين المجتمع الذي نشأ فيه، وإنما نساعده على أن يجمع الاثنين.
لدينا نماذج مصرية ناجحة جدًا في إيطاليا؛ أطباء ومهندسون ومتخصصون في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومجالات كثيرة، لكن المشكلة أن هذه النماذج لا تظهر بالقدر الكافي، دائمًا نسمع عن الصورة السلبية، بينما هناك نماذج ناجحة تستحق أن نسلط الضوء عليها، أريد أن نصل إلى مرحلة عندما يقال فيها: “المصري ناجح”، وليس فقط أن نتحدث عن النماذج السلبية.
هل تشعرين أن تجربتك في رئاسة المسجد أعطت المرأة المصرية، وخاصة الفتيات، أملًا في الوصول إلى مواقع قيادية؟
أعتقد أن وجودي في هذا الموقع يمكن أن يعطي البنات أملًا، لأنهن عندما يرون امرأة تتحمل المسؤولية وتدير مؤسسة وتتواصل مع المجتمع، يدركن أن أمامهن مساحات يمكن أن يتحركن فيها.
أنا لم أبحث عن كرسي، ولم يكن هدفي أن أكون رئيسة مسجد لمجرد اللقب، هدفي كان وما زال أن نمد الجسر بين الناس، وأن يعرف الأوروبيون أن المسلم يمكن أن يكون جزءًا إيجابيًا من المجتمع، وأن يعرف أبناؤنا في الوقت نفسه أنهم مصريون، وأن مصر تظل جزءًا من هويتهم مهما ابتعدت المسافات.
وماذا تعلمتِ من تجربة قيادة المسجد طوال هذه السنوات؟
تعلمت أن المسؤولية ليست كرسيًا يجلس عليه الإنسان إلى الأبد، لا أحد سيظل في الكرسي إلى الأبد، ولذلك من المهم أن نُعد الشباب ونمنحهم الفرصة ليتعلموا الإدارة وتحمل المسؤولية، ونحن ما زلنا موجودين إلى جوارهم، أريد أن أرى جيلًا جديدًا قادرًا على تحمل المسؤولية، وليس جيلًا ينتظر أن تظل نفس الوجوه في أماكنها إلى الأبد.
كيف تصفين علاقتك بالسفارة المصرية في إيطاليا؟
علاقتي بالسفارة تقوم على الود والاحترام، وأقدر بشكل خاص دور السفير بسام راضي في التواصل مع أبناء الجالية وحرصه على أن يكون قريبًا من الناس، وعندما أتعامل مع السفارة في أي مشكلة، يكون ذلك في الحالات التي أرى أن لديها إمكانية للتدخل والمساعدة.

كيف تقيمين دور السفارة والقنصلية المصرية في التعامل مع حالات وفاة المصريين بالخارج؟
السفارة والقنصلية تبذلان جهودًا كبيرة في إنهاء إجراءات نقل جثامين المصريين إلى أرض الوطن، وهذا الأمر له قيمة إنسانية كبيرة بالنسبة لأسر المتوفين، لأن فقدان أحد أفراد الأسرة في بلد أجنبي يكون لحظة شديدة الصعوبة، وتدخل الدولة في هذه الظروف يمنح الأسرة شعورًا بأنها ليست وحدها، وأن وطنها يقف إلى جوارها في أصعب لحظاتها.
وهل لديكِ تجربة شخصية مع القنصلية في هذا الملف؟
نعم، بعد وفاة شقيقي خلال فترة جائحة كورونا، تولت القنصلية الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر، رغم صعوبة الظروف في ذلك الوقت، وكانت تجربة شخصية جعلتني أدرك بصورة أكبر أهمية الدور الذي تقوم به الدولة في مثل هذه الظروف، خاصة عندما تكون الأسرة بعيدة عن الوطن وتواجه إجراءات صعبة في بلد أجنبي.
ما أبرز المطالب التي تشغل أبناء الجالية المصرية في إيطاليا؟
هناك مجموعة من الملفات التي تمس الحياة اليومية للمصريين بصورة مباشرة، سواء فيما يتعلق بالمعاملات القنصلية أو الإقامة والعمل أو القيادة والتنقل، وأرى أن الأولوية تكون لإيجاد حلول عملية لهذه الملفات وتخفيف الأعباء التي يتحملها أبناء الجالية خلال سنوات إقامتهم في إيطاليا، وملف رخص القيادة يأتي في مقدمة المطالب التي يطرحها المصريون في إيطاليا، والتوصل إلى اتفاق بشأن الاعتراف المتبادل بين رخص القيادة المصرية والإيطالية يمكن أن يسهم في حل مشكلة تواجه عددًا من أبناء الجالية، خاصة أن الحصول على رخصة قيادة إيطالية يمثل تحديًا بالنسبة للبعض بسبب الإجراءات والتكلفة.
هل يمثل هذا الملف أهمية تتجاوز الإجراءات الرسمية؟
بالتأكيد، لأن رخصة القيادة ترتبط بالحياة اليومية للمصريين في إيطاليا، سواء في الذهاب إلى العمل أو قضاء احتياجات الأسرة والتنقل، واستمرار الملف دون حل لسنوات يضيف أعباء جديدة على أبناء الجالية، ولذلك فإن معالجته من خلال تفاهمات واتفاقات رسمية ستكون لها انعكاسات إيجابية ومباشرة.
كما أن وجود اتفاقات مماثلة بين إيطاليا ودول أخرى يجعل هذا الملف محل اهتمام بالنسبة للمصريين، والوصول إلى صيغة مناسبة من شأنه أن يخفف عن الجالية الكثير من الأعباء المرتبطة بإعادة الإجراءات والحصول على رخصة جديدة، كما سيكون خطوة عملية يشعر من خلالها المصريون بأن مطالبهم اليومية محل اهتمام.
وماذا عن رسوم بعض المعاملات القنصلية؟
هناك أيضًا ملف يتعلق ببعض الرسوم الخاصة بالمعاملات القنصلية، خاصة أن تكلفة بعض الخدمات، ومن بينها استخراج جواز السفر، تمثل عبئًا إضافيًا على بعض المصريين المقيمين بالخارج، والمصري في الخارج يتحمل تكاليف المعيشة والعمل والغربة والالتزامات الأسرية والاجتماعية، ولذلك فإن تخفيف الأعباء المرتبطة بالإجراءات والمعاملات القنصلية يمكن أن يمثل جانبًا مهمًا من دعم أبناء الجالية.
كما أن الخدمات القنصلية تمثل حلقة اتصال أساسية بين المواطن المصري ودولته، ولذلك فإن تطويرها وتيسير إجراءاتها ومراعاة الظروف الاقتصادية للمصريين بالخارج من شأنه أن يعزز ثقة أبناء الجالية في المؤسسات التي تقدم لهم الخدمات، ويؤكد للمصري المقيم في إيطاليا أن صلته بالدولة المصرية لا تنقطع بمجرد إقامته خارج البلاد.

وفي النهاية، ماذا تريدين أن يرى الأوروبيون عندما ينظرون إلى المسلمين؟
أريد أن يروا الإنسان المسلم كما هو، وليس كما تصوره بعض الصور النمطية، أريد أن يقول الأوروبي: “المصري المسلم ناجح، محترم، متعلم، يساعد غيره، ويحترم المجتمع الذي يعيش فيه”.
نحن لا نستطيع أن نطلب من الآخرين أن يغيروا صورتهم عنا ونحن لا نحاول أن نقدم صورة مختلفة، كل واحد منا سفير بطريقة أو بأخرى، بكلامه وتصرفاته ومعاملته لجيرانه وزملائه.
وفي النهاية، أهم شيء بالنسبة لي هو أن نكسر الحواجز الدينية والثقافية بالمعاملة الطيبة، وأن نثبت أن المحبة والرحمة والاحترام يمكن أن تكون لغة مشتركة بين الجميع.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض