في بيتنا "جاسوس".. تحقيق استقصائي يفتح ملف الكاميرات المخفية.. كيف نقضي على انتهاك الحياة الخاصة؟
لم يكن يعلم زوجان القليوبية أن لحظاتهما الخاصة منذ بدايتها ستكون مُسجلة بالصوت والصورة، وأن حياتهما بكل تفاصيلها ستصبح مادة للمشاهدة من خلف الجدران وعلى المشاع، بعدما أدخل فني تكييف عينيه داخل منزلهما رغم أنفيهما، بوضع كاميرا صغيرة مخفية بداخله.
بعد أشهر من الاكتشاف والبلاغ انتهت القضية في يوليو الماضي (2026)، بحكم قضائي، من محكمة الجنايات الاستئنافية لجرائم الإرهاب وأمن الدولة، برئاسة المستشار خالد الشباسي بالسجن المشدد 10 سنوات وغرامة 200 ألف جنيه، ضد المتهم لقيامه بهتك عرض زوجين، بوضع كاميرا لعروسين في شهر العسل داخل شقة مستأجرة من والدته وتصوير 8 فيديوهات لهما دون علمهما، ونشر بعضها على المواقع الإباحية.
في هذه الحالة سُجن المتهم لأنه تم اكتشاف الكاميرا بسبب انارتها في الظلام وملاحظة الزوجة، وهو ما يطرح أكثر من تساؤل؛ ماذا لو لو لم يلاحظ الزوجان وجود الكاميرا؟ وماذا لو أن الكاميرا مخفية تمامًا ولا يصدر عنها أي ضوء؟
ومن هنا بدأت رحلة هذا التحقيق، فمع تتبع هذه القضية التي انتهت بحكم قضائي، ظهرت وقائع أخرى متعددة تحمل النمط نفسه والطريقة ذاتها، في أماكن يفترض أنها توفر درجة عالية من الخصوصية والأمان لمن يدخلها! فهل نحن أمام وقائع منفصلة أم أنها ظاهرة متكررة تستحق الرصد والفحص والمتابعة؟
وبرصد الوقائع المنشورة خلال الفترة من نوفمبر 2024 وحتى 2025، توصل التحقيق الى 3 من البلاغات والتحقيقات والأحكام القضائية المتعلقة بوقائع التصوير الخفي في محافظات مختلفةإلا أن نمط الجريمة كان متشابهًا.
وظهر أن الجريمة لا تحدث في مكان واحد عادة بل تكون في أماكن مختلفة مثل "السبا والجيم وغرف القياس وغرف تغيير الملابس"، والمشترك بينهما جميعًا هو استهدافهم مراقبة السيدات والتلصص عليهن.

ومع البحث في الوقائع الخاصة بكاميرات المراقبة الدقيقة والمخفية، التي وصلت إلى بلاغات رسمية وتحقيقات نيابة وأحكام قضائية، في فترة زمنية أكبر خلال الفترة من 2016 حتى 2026، وجدنا أن محافظات (القاهرة والجيزة والغربية والدقهلية) هي الأكثر شهودًا لهذه الجرائم على مدار الـ 10 سنوات الماضية.

المحافظة | عدد الوقائع الموثقة |
القاهرة | (2)
2016، النيابة باشرت التحقيق في الواقعة.
2022، قاضي المعارضات قرر تجديد حبس المتهم، ورفضت المحكمة الاستئناف المقدم منه لإخلاء سبيله.
|
الجيزة | (3) 2016، القبض على المتهمين، والتحفظ على أجهزة التصوير.
2022، المتهم أُحيل إلى محكمة الجنايات وعاقبته بالسجن المشدد.
2026، كانت واقعة تصوير داخل غرفة الملابس بهاتف. |
الغربية | (2) 2021، أمرت النيابة العامة بحبس المتهم على ذمة التحقيقات. المحكمة الاقتصادية بطنطا أصدرت حكمًا بالسجن لمدة عام وغرامة ضد المتهم.
|
الدقهلية | (2)
انتهت الواقعة ببلاغ رسمي.
في 2025، انتهت الواقعة بالسجن 5 سنوات للمتهم.
|
"منار.م" و"فيروز.ع"، عاملتين فى محل حلويات بمول شهير بالشيخ زايد، تقدمتا ببلاغ رسمى إلى الشرطة ضد زميلهما عبدالرحيم فى العمل، بعد اكتشافهما تصويره لهما خلسة أثناء تغييرهما لملابسهما داخل مخزن للمحل، وانتهت الواقعة انتهت بصدور حكم من محكمة الشيخ زايد برئاسة المستشار محمد عبد السلام روق، بحبس المتهم عام مع الشغل والنفاذ وإلزامه بالمصروفات الجنائية.
المادة 57 من الدستور تنص على أن للحياة الخاصة حُرمة، وهي مصونة لا تُمس. وللمراسلات البريدية والبرقية والإلكترونية والمحادثات الهاتفية وغيرها من وسائل الاتصال حُرمة، وسريتها مكفولة، ولا يجوز مصادرتها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبب، ولمدة محددة، وفي الأحوال التي يبينها القانون.
كما تنص المادة 58 من الدستور أيضًا، على أن للمنازل حُرمة، وفيما عدا حالات الخطر، أو الاستغاثة لا يجوز دخولها، ولا تفتيشها، ولا مراقبتها أو التنصت عليها إلا بأمر قضائي مسبب، يحدد المكان والتوقيت والغرض منه، وذلك كله في الأحوال المبينة في القانون، وبالكيفية التي ينص عليها، ويجب تنبيه من في المنازل عند دخولها أو تفتيشها، واطلاعهم على الأمر الصادر في هذا الشأن.
والتصوير الخفي من أخطر صور الاعتداء على الحق في الخصوصية لما تسببه من أضرار نفسية واجتماعية جسيمة للضحية، فضلا عن كونها تمثل انتهاكًا صريحًا للقانون، وقد جرمها المشرع المصري من خلال قانون العقوبات وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وفقًا للمحامية بالاستئناف العالي ومجلس الدولة،فيروز الصافي.
وتختلف العقوبة كما أوضحتها الصافي، بحسب ظروف كل واقعة إلا أنها قد تصل إلى الحبس والغرامة مع مصادرة الأجهزة والأدوات المستخدمة في ارتكاب الجريمة وتشدد العقوبة إذا اقترنت الجريمة بنشر أو تداول الصور أو المقاطع المصورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو استخدامها في التشهير أو الابتزاز أو تحقيق منفعة غير مشروعة.
كما أن نشر أو مشاركة هذه المقاطع دون موافقة صاحبها بحسب المحامية بالاستئناف العالي ومجلس الدولة يعد جريمة مستقلة يعاقب عليها القانون حتى ولو لم يكن الناشر هو من قام بالتصوير وفي حال استخدام الصور أو المقاطع لابتزاز المجني عليها أو تهديدها فإن الجاني يواجه اتهامات أخرى أشد جسامة قد تؤدي إلى توقيع عقوبات أشد وفقا للظروف والجرائم المرتبطة بالفعل.
المادة 268 من قانون العقوبات تنص على "كل من هتك عرض إنسان بالقوة أو بالتهديد أو شرع فى ذلك يعاقب بالشغال الشاقة من ثلاث سنين إلى سبع، وإذا كان عمر من وقعت عليه الجريمة المذكورة لم يبلع ست عشرة سنة كاملة أو كان مرتكبها ممن نص عنهم فى الفقرة الثانية من المادة 267 يجوز إبلاغ مدة العقوبة إلى أقصي الحد المقرر السجن المشدد، وإذا اجتمع هذان الشرطان معًا يحكم بالسجن المؤبد".
وحماية خصوصية المرأة ليست مجرد حق دستوري وقانوني وإنما هي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الدولة والمنشآت والأفراد ولا يجوز التسامح مع أي انتهاك لها لأن احترام الحياة الخاصة هو أحد أهم مؤشرات احترام سيادة القانون وكرامة الإنسان، بحسب المحامية بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، فيروز الصافي.
ووفقًا للصافي أيضًا، فإن المنشأت التي تقدم خدمات مخصصة للسيدات مثل مراكز التجميل والنوادي الرياضية ومحلات الملابس تتحمل مسؤولية قانونية وأدبية في توفير بيئة آمنة لعملائها وذلك من خلال اتخاذ جميع التدابير الوقائية اللازمة وإجراء فحص دوري للأماكن المغلقة وغرف القياس وتبديل الملابس والتعامل الجاد والفوري مع أي بلاغ أو اشتباه بوجود أجهزة تصوير غير مشروعة لأن الإهمال في اتخاذ إجراءات الحماية قد يثير مسؤوليتها وفقا لظروف كل واقعة.
كيف تحاول المنشآت منع وقوع هذه الجرائم؟
للإجابة على هذا السؤال توجهنا بسؤال واحد إلى بعض المنشآت التي شهدت مثيلاتها جرائم المراقبة الخفية (سبا، جيم، محل ملابس)، وهو.. ما الإجراءات التي تطبقونها للتأكد من عدم وجود كاميرات خفية داخل الأماكن الخاصة بمنشآتكم؟ وهل توجد بروتوكولات تفتيش دورية أو تدريب للعاملين على حماية خصوصية العملاء؟
سبا بالدقهلية _ وهي واحدة من أكثر المحافظات المصرية التي شهدت جرائم ووقائع من هذا النوع_، جاء ردهم بأن كل الغرف لديهم مغلقه، ويوجد تفتيش شهريًا بأجهزه الكشف عن كاميرات.
وفي الغربية _وهي كذلك من أكثر المحافظات التي شهدت وقائع مماثلة_، أجابت الكابتن سمر عقل، صاحبة جيم، أنهم في كل يوم قبل استقبال المشتركات يكون هناك تفتيش وبحث دوري في صاله الجيم أو غرفه تغيير الملابس علي عدم وجود جسم غريب او كاميرا خفية.
وفيما يتعلق بأعمال الصيانة داخل الجيم فلا يدخل المكان أي مهندس صيانة ولابد أن يكون شخص ثقة، كما أنها تحذر من استخدام كاميرا الفون وسحبه من المشتركات واستخدامه عند الضرورة فقط. واحيانا مشتركات كثيره تعترض على ذلك ولكنها تقنعهم أنه حفاظا علي خصوصيتهم وخوفا عليهم جميعا.
وبالنسبه لفريق العمل لديها، تقول عقل إن هناك اجتماعات دوريه لهم وحثهم علي أن الحفاظ علي خصوصيه المشتركات أمانة، والأهم بالنسبة لها أن يكون الجيم متوفر فيه الامانه والخصوصية.
صاحب محل للملابس بالمحافظة ذاتها، فضل عدم ذكر اسمه، ذكر أن المكان لديه به كاميرات للمراقبة والجميع يعرف ذلك وأعلن عنها منذ اليوم الأول لعمله، وأنه يحترم خصوصيه العميل، لذلك فإن توجيه الكاميرات يكون بشكل مناسب مع خصوصيه "البروفه" بحيث تنعدم الرؤية عندما يغلق الباب.
ومما سبق ومن إفادات أصحاب المنشآت، نجد أن حماية الخصوصية والرقابة تختلف من مكان لآخر، وليس هناك آلية موحدة للعمل لدى هذه المنشآت لاكتشاف كاميرات المراقبة المخفية أوحتى لمنع استخدامها من الأساس؟
كما أننا وجدنا أن جميع الوقائع وجرائم المراقبة الخفية اكتشفت بعد الابلاغ وليس بالرقابة والتفتيش المسبق.
من المسؤول عن الرقابة على هذه المنشآت؟
وللإجابة أيضًا على هذا التساؤل توجهنا بسؤال موحد على مسئولين بوزارة الصحة والتنمية المحلية وجهاز حماية البيانات الشخصية.
وكان السؤال: هل تقع مسؤولية التفتيش للتأكد من عدم وجود كاميرات خفية داخل الأماكن الخاصة في مراكز العلاج أو المساج والسبا الخاضع لترخيص صحي ضمن اختصاصكم؟ وما هي آلية التفتيش؟ أو من الجهة المختصة عن كذلك؟
الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة والسكان، طرحنا عليه السؤال أكثر من مرة ولم نحصل على إجابة في كل مرة لأسباب مختلفة. وفي المرة الأخيرة كان رده "يا فندم عندما اجد وقت مناسب للرد على التساؤلات هرد لو ده مش مناسب حضرتك ممكن تتوجهي بالسؤال للجهة المختصة". ولا نعلم أي جهة مختصة يقصدها المتحدث باسم وزارة الصحة.
السؤال السابق نفسه طرحناه على مسئول رفيع المستوي بوزارة التنمية المحلية حول وقوع مسؤولية التفتيش من عدمه على محال الملابس على الوزارة والمحافظة والمجالس المحلية، وجاءت اجابته نصًا "مين قالك إن دي من اختصاص الوزارة.. هشوف مع الزملاء وابقي ارجعلك"، وحتى هذه اللحظة لم يرد على سؤالنا سواء بالنفي أو الإيجاب.
وبالإطلاع على قانون الإداره المحليه رقم ٤٣ لسنه ٧٩، وجدنا أن المادة "٢"منه تقول: "تتولى وحدات الحكم المحلي إنشاء وإدارة جميع المرافق العامة الواقعة في دائرتها كما تتولى هذه الوحدات كل في نطاق اختصاصها وفي حدود السياسة العامة والخطة العامة للدولة مباشرة جميع الاختصاصات التي تتولاها الوزارات بمقتضى القوانين واللوائح المعمول بها وذلك فيما عدا ما يعتبر بقرار من رئيس مجلس الوزراء مرفقاً قومياً".
وفيه أيضًا "للوحدات المحلية المختصة في سبيل ممارسة هذه الاختصاصات الحق في طلب البيانات التي تراها لازمةوإدارتها وما يباشره من الاختصاصات المنصوص عليها في هذه المادة. كما تحدد ما تتولى الوحدات المحلية الأخرى إنشاءه وإدارته من المرافق وما تباشره من الاختصاصات المشار إليها وتباشر المحافظات جميع الاختصاصات المتعلقة بالمرافق العامة التي لا تختص بها الوحدات المحلية الأخرى".
والمادة ٢٧من قانون الإداره المحليه رقم ٤٣ لسنه ٧٩، تنص على "يتولى المحافظ بالنسبة إلى جميع المرافق العامة التي تدخل في اختصاص وحدات الحكم المحلي وفقاً لهذا القانون جميع السلطات والاختصاصات التنفيذية المقررة للوزراء بمقتضى القوانين واللوائح، ويكون المحافظ في دائرة اختصاصه رئيساً لجميع الأجهزة والمرافق المحلية".

الدكتور وليد طه، استشاري حوكمة ومخاطر وامتثال وأمن سيبراني بمركز حماية البيانات الشخصية، قال إن هناك مثل هذا الوقائع تصل لجهاز حماية البيانات الشخصية، لكنهم مازلوا في فترة توفيق الأوضاع، وليست هناك أدوار قاموا بها في هذا الصدد، موضحًا أن اللائحة التنفيذية لمركز حماية البيانات الشخصية صدرت السنة الماضية في نوفمبر ٢٠٢٥، وحاليًا في مدة توفيق الاوضاع التي ستنتهي في ٣١ اكتوبر المقبل، ووقتها سيكون لديهم الصلاحيات للقيام بدورنا الرقابي الكامل.
القانون يحمي البيانات الشخصية، التي تعني أنها كل ما يؤدي إلى معرفة الشخص نفسه وكشف هويته، ووجود الكاميرات في كل الأماكن من المفترض أنها بغرض الأمن والأمان، وفي حالة وجودها مخفية بهدف التجسس، هنا يوجد تجاوز وإخلال بالآداب العامة، وتجاوز للصلاحيات المعتبرة، وفاعلها يكون تحت طائلة القانون، وهناك صلاحية لمركز البيانات الشخصية في مثل هذه الحالات بالضبطية القضائية في حالة اكتشافها.
ووضع الكاميرات ظاهرة بشكل واضح وصريح ليس به أزمة، ولكن تجاوز ذلك يعد مخالفة، وكمركز لحماية البيانات الشخصية نملك ضبطية قضائية على الجهة المبلّغ عنها في مثل هذه الحالات، ونثبت بمحاضر رسمية التجاوزات التي أخلت بالاداب العامة وتجاوز الصلاحيات المعترف بها واتخاذ اجراء قانوني ضده، وذلك بحسب استشاري حوكمة ومخاطر وامتثال وأمن سيبراني بمركز حماية البيانات الشخصية.
وبعد التواصل مع الجهات الرسمية يظهر تباينًا في تحديد الجهة المختصة بالرقابة المسبقة على كاميرات المراقبة الخفية، حيث لم نتلق ردًا من وزارة الصحة حتى موعد النشر، فيما أفاد مسؤول بوزارة التنمية المحلية بأن هذا الأمر لا يدخل ضمن اختصاص الوزارة مستنكرًا السؤال من الأساس، فيما أظهرت مراجعة مراجعة قانون الإدارة المحلية وجود اختصاصات رقابية عامة ولكن دون نص صريح عن الرقابة جرائم التصوير الخفية، وكذلك فإن مركز حماية البيانات الشخصية لا يزال في فترة توفيق الأوضاع ولم يقم بدور في هذه الجرائم حتى الآن.
ويثير ذلك تساؤلًا حول الجهة التي تتحمل مسؤولية الرقابة على هذه المنشآت؟، وكذلك عن كيفية التنسيق بين الجهات المختلفة لحماية خصوصية الأفراد في هذه الأماكن التي يذهبون إليها؟
وفي حالة أخرى، ورد بلاغ لقسم أول المحلة الكبرى بمحافظة الغربية، يُفيد بوجود كاميرات داخل غرفة تبديل الملابس الخاصة بالسيدات بالجيم، في يونيو 2025، وقتها تم التحفظ على جهاز تسجيل الكاميرات، وباشرت نيابة أول المحلة التحقيق، وقضت المحكمة الاقتصادية بطنطا، حبس صاحب الجيم والمدير سنة مع غرامات.
وربما هناك الكثير من الوقائع التي لا نعرف عنها شيئًا، إما لأنها لم تكتشف بعد، أو لم تُنشر تفاصيلها ومنها كذلك ما لم يصل إلى المحاكم.
فيروز الصافي، محامية بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، قالت إنها شهدت الكثير من القضايا من هذا النوع خلال عملها، وكان بعضها يتم حله بالتصالح والبعض الآخر كان يستمر في الإجراءات القانونية، ومنهم على سبيل المثال واقعة في غرفة ملابس في وسط البلد وكان الولد يبتز الفتاة بالصور، وواقعة آخرى قام فيها دكتور تخدير بابتزاز فتاة _بعدما أجرت عملية تجميلية معه_ لإقامة علاقه.
وأوضحت أنه من واقع عملها القانوني فإن الكثير من الضحايا يترددن في الإبلاغ خوفًا من الوصمة المجتمعية أو من تداول الصور أو المقاطع المصورة على نطاق أوسع، وأحياناً بسبب تأخرهم في الشكوي، أو لعدم كفاية الأدلة خاصة وعدم وجود مستندات كافيه تدل علي حدوث الواقع هو ما يدفع بعض الجناة إلى الاعتقاد بإمكانية الإفلات من العقاب.
والتشريع المصري لم يغفل حماية الحياة الخاصة بحسب الصافي، إذ جرم الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة كما جرم استخدام وسائل تقنية المعلومات في انتهاك الخصوصية أو نشر أو تداول مواد تم الحصول عليها بغير رضا أصحابها إلا أن التطور المستمر في وسائل التصوير والإخفاء يفرض ضرورة مواكبة التشريعات وتكثيف آليات الرقابة وسرعة ضبط مرتكبي هذه الجرائم مع تعزيز قدرات جهات التحقيق في التعامل مع الأدلة الرقمية.
المادة 25 من قانون مكافحة الجرائم الالكترونية تنص على المعاقبة بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من اعتدى على أى من المبادئ أو القيم الأسرية فى المجتمع المصرى أو انتهك حرمة الحياة الخاصة، أو أرسل بكثافة العديد من الرسائل الإلكترونية لشخص معين دون موافقته، أو منح بيانات شخصية إلى نظام أو موقع إلكترونى لترويج السلع أو الخدمات دون موافقته، أو نشر عن طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات معلومات أو أخباراً أو صوراً وما فى حكمها ، تنتهك خصوصية أى شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة.
وفي واقعة أخرى بمحافظة الدقهلية، كانت القضية رقم 12477 لسنة 2025 جنايات قسم ثان المنصورة، ورقمها الكلي 4015 لسنة 2025 كلي جنوب المنصورة، بعدما اكتشفت الفتاة العام الماضي داخل غرفة القياس بأتيليه ملابس في المنصورة وضعها الترزي لتصوير السيدات، وحكمت محكمة جنايات المنصورة عليه، بالسجن المشدد خمس سنوات.
وتكرار هذه الجرائم من وجهة نظر فيروز الصافي، محامية بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، يرجع إلى عدة أسباب أبرزها سهولة الحصول على أجهزة تصوير دقيقة يصعب اكتشافها وضعف الإجراءات الوقائية في بعض المنشآت وتأخر الإبلاغ في بعض الحالات إلى جانب اعتقاد بعض الجناة بصعوبة كشفهم أو تتبعهم وهو ما يستلزم تعزيز الردع القانوني ورفع كفاءة وسائل الكشف والتحقيق.
سلاح الجريمة بمقابل زهيد
في جولة قُمنا بها داخل أسواق الكاميرات، للوقوف على أسعار الكاميرات الخفية "صغيرة الحجم" وأشكالها وقدراتها ومدى إتاحة بيعها للأفراد وسهولة ذلك من عدمه، وجدنا أن هناك تنوع كبير في حجم وأشكال الكاميرات الخفية، إلا إن جميع الأنواع اشتركت في قدرتها الفائقة على التخفي، بل هناك أنواع تنقل الصور ومقاطع الفيديو كـ بثًا مباشرًا دون الحاجة إلى كارت ذاكرة، وسهولة الحصول عليها بدون عناء.
فاختلفت الأشكال بين "كاميرات المسمار التي تتميز بقدرتا على التسجيل والتصوير 360 درجة، والتخفي التام، وكاميرا الزرار التي تتميز بقدرتها على التنقل والتحرك، وكاميرا القلم، وكاميرات على هيئة شواحن للموبايل وأشكال آخرى مُتعددة"، وترواحت أسعار الكاميرات بين 1500 لـ 10000 جنيه مصري، ويتوقف السعر هنا على حسب المساحة والجودة ونوع الماركة.
وبالسؤال عن كيفية التركيب، أجاب البائعون أن بعضها يحتاج إلى فني كاميرات يقوم بتركيبها والبعض الآخر يمكن تركيبه بسهولة شديدة دون الحاجة إلى فنيين على الإطلاق، لأنه لا يحتاج إلى كابلات أو توصيلات.
أخطاء قاتلة تضيع الحقوق
المهندس عمرو صبحي، خبير أمن المعلومات والتحول الرقمي، قال نحن الآن في عصر تتقلص فيه المساحات الخاصة وتتشعب فيه أدوات المراقبة، لم تعد الجريمة الرقمية محصورة في اختراق الشبكات أو سرقة البيانات؛ بل امتدت لتصل إلى أكثر اللحظات الإنسانية خصوصية، فالكاميرات الخفية، تلك الأجهزة الصغيرة التي لا يتجاوز حجمها رأس الدبوس، أصبحت سلاحًا صامتًا يُزرع في غرف الفنادق، وغرف تغيير الملابس، ودورات المياه، وقاعات الاجتماعات، دون أن يترك أثراً مادياً يُذكر.
عند ضبط كاميرا خفية، تتحول اللحظة إلى سباق مع الزمن لجمع الأدلة الرقمية قبل أن تُمحى أو تتلف. فالأدلة الحاسمة تشمل: البيانات الوصفية (Metadata) للملفات، وسجلات الشبكة (Network Logs) التي تُظهر عناوين IP، وبصمة الجهاز الفريدة (MAC Address)، والمحتوى المسجل نفسه، بالإضافة إلى سجلات الوصول الفيزيائية التي تُظهر من دخل المنطقة ومتى، وهنا يبرز المهندس عمرو صبحي، خبير أمن المعلومات والتحول الرقمي، أن أكثر الأخطاء شيوعاً التي تدمر القضية برمتها هي التعامل العفوي مع الجهاز المضبوط، حيث يقوم غير المختصين بفصل الجهاز أو تصفح محتواه مباشرة، مما يُتلف البيانات الوصفية ويُلغي قيمتها القانونية.
فهناك ثغرات يستغلها الجناة لزرع كاميرات خفية داخل المنشآت، وتتوزع بين ثغرات تقنية وأخرى إجرائية وبشرية، فمن الناحية التقنية، تتيح الأجهزة الحديثة ذات الأبعاد المتناهية الصغر إمكانية الإخفاء في مقابس الكهرباء، وأجهزة الإنذار، وأجهزة التكييف، وحتى في مرايا الحمامات، بينما سمح تطور تقنيات البث اللاسلكي لهذه الأجهزة بنقل المحتوى مباشرة دون الحاجة إلى تخزين محلي يمكن اكتشافه و مد كابلات لامتار كبيرة، وفقًا لخبير أمن المعلومات.
ومع كون الأدلة الرقمية هشة بطبيعتها، فبمجرد تشغيل الجهاز قد يُفعّل آليات الحذف التلقائي أو يُغيّر الطوابع الزمنية، أوصى المهندس عمرو صبحي، خبير أمن المعلومات والتحول الرقمي، بأن البروتوكول الصحيح يتطلب عزل الجهاز فوراً في حقيبة فاراداي (Faraday Bag) لمنع أي اتصال لاسلكي، ثم تسليمه لمختبر جنائي رقمي معتمد يقوم بعمل نسخة طبق الأصل باستخدام أدوات متخصصة، مع توثيق سلسلة الحيازة (Chain of Custody) خطوة بخطوة لضمان عدم الطعن في مصداقية الأدلة.
عند تقييم جاهزية المنشآت التي تستقبل الجمهور، تتكشف فجوات أمنية مقلقة، فمعظمها يعتمد على كاميرات المراقبة التقليدية كخط دفاع وحيد، بينما تغيب تماماً أدوات الكشف مثل أجهزة كشف الترددات الراديوية (RF Detectors)، وأجهزة الكشف عن العدسات باستخدام الأشعة تحت الحمراء، وأجهزة تحليل الطيف الكهرومغناطيسي، وفي هذا السياق يلفت المهندس عمرو صبحي، خبير أمن المعلومات والتحول الرقمي الانتباه إلى أن المشكلة ليست في غياب التكنولوجيا، بل في غياب "ثقافة الأمن الاستباقي"، حيث تُعامل إجراءات الكشف كترف إضافي وليس كمتطلب أمني أساسي.
ووفقًا لـ المستشار بهاء الدين أبوشقة، الخبير القانوني وعضو مجلس الشيوخ، فإنه لا يوجد فراغ تشريعي حقيقي في مواجهة جرائم التصوير الخفي؛ فالدستور قرر الحماية، وقانون العقوبات جرّم التصوير والنشر والتهديد، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وفر حماية إضافية في البيئة الرقمية، لذلك فإن المشكلة الأساسية تكمن في تطبيق القانون وسرعة إنفاذه أكثر من كونها مشكلة نقص في النصوص.
وتتجلى أوجه الخلل العملي في عدة نقاط، أهمها صعوبة اكتشاف الكاميرات الخفية، وبطء إجراءات تتبع الحسابات الإلكترونية، وانتشار المحتوى على المنصات الرقمية بسرعة تفوق أحيانًا سرعة التدخل القانوني، فضلًا عن ضعف الوعي لدى بعض الضحايا بحقوقهم القانونية وطرق الإبلاغ، كما أن بعض الأماكن التي تقع فيها هذه الجرائم تعاني قصورًا في الرقابة الإدارية أو التقنية، الأمر الذي يسمح بتكرار الانتهاكات، كما يرى أبوشقة.
ومن الأدلة على أن المشكلة ليست تشريعية فإن النصوص الحالية تسمح بالحبس والمصادرة ومحو التسجيلات، وهي أدوات قانونية كافية من حيث المبدأ، لكن أثرها الردعي يضعف عندما يتأخر اكتشاف الجريمة أو تنتشر الصور قبل اتخاذ الإجراءات اللازمة.
أسباب انتشار جرائم التصوير الخفي
ومن أسباب انتشار جرائم التصوير الخفي، من وجهة نظر "أبو شقة"، سهولة الحصول على كاميرات صغيرة الحجم منخفضة التكلفة، ودمج الكاميرات عالية الجودة في الهواتف المحمولة، وإمكانية التخزين السحابي السريع، وسهولة إنشاء حسابات مجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى الدافع المادي المرتبط بالابتزاز الإلكتروني أو تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة من خلال نشر المحتوى الصادم، كما لا يمكن إغفال أثر التراجع الأخلاقي وضعف التربية الرقمية لدى بعض الفئات، وغياب ثقافة احترام الخصوصية باعتبارها حقًا أصيلًا وليست مجرد مجاملة اجتماعية.
وإذا كان لابد من اقتراح تعديل تشريعي واحد، للحد من جرائم التصوير الخفي، فأرى أن الأنسب هو إضافة ظرف مشدد إلى المادة 309 مكرر من قانون العقوبات ينص على تشديد العقوبة إذا تم التصوير باستخدام وسيلة رقمية حديثة وكان القصد من التصوير النشر عبر الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي، أو إذا ترتب على النشر ابتزاز المجني عليه أو التشهير به أو تحقيق منفعة مادية، بحسب "أبوشقة".
وهذا التعديل سيكون الأكثر تأثيرًا؛ لأن الخطر الأكبر في الوقت الحاضر لا يكمن في مجرد التقاط الصورة، بل في الانتشار الإلكتروني الواسع الذي يجعل الضرر دائمًا ومتجددًا ويصعب محوه بالكامل حتى بعد صدور الحكم الجنائي، فالتشديد المرتبط بالنشر الرقمي يحقق ردعًا أقوى ويتناسب مع التطور التكنولوجي الذي ضاعف من آثار الجريمة.
مقترحات عملية مكملة للتعديل التشريعي
إلى جانب التعديل المقترح، هناك إجراءات عملية لا تقل أهمية، منها إلزام المنشآت التجارية والفندقية وغرف تبديل الملابس بوسائل كشف دورية للكاميرات الخفية، وإنشاء وحدات متخصصة للاستجابة السريعة لطلبات حذف المحتوى المنتهك للخصوصية، وتدريب مأموري الضبط القضائي على جمع الأدلة الرقمية، وإطلاق حملات توعية قانونية تبين أن تصوير الأشخاص أو نشر صورهم دون رضاهم قد يشكل جريمة جنائية حتى لو لم يكن التصوير في مكان عام بالمعنى التقليدي، كما يذكر "أبوشقة".
غياب بروتوكولات التفتيش الدوري، وضعف تدريب فرق الأمن، وغياب سياسات واضحة للتحكم في الوصول إلى المناطق الحساسة، كلها عوامل تخلق بيئة خصبة لهذه الجرائم، مما يجعل اكتشافها بالعين المجردة شبه مستحيل، فإن أخطر ما في هذه الجرائم هو "فجوة الاكتشاف"، حيث إن الكاميرات الحديثة مصممة لتعمل بصمت تام دون إصدار أي ضوضاء أو حرارة ملحوظة، مما يعني أن الجاني قد يكون جمع ساعات أو أياماً من التسجيلات قبل أن يُكتشف أمره. وهو ما يشير إليه، المهندس عمرو صبحي.
خبير أمن المعلومات يوضح، أن المنشآت مطالبة بتطبيق ضوابط متعددة الطبقات تشمل: التفتيش الدوري الموثق، وتقييد الوصول إلى المناطق الحساسة، وتركيب أنظمة إنذار ذكية ترصد أي جهاز غير مسجل على الشبكة، بالإضافة إلى تدريب الموظفين على التعرف على العلامات التحذيرية للأجهزة المشبوهة، فالخط الأحمر في هذه القضية هو افتراض البراءة حتى تثبت المراقبة، مشيراً إلى أن المنشأة التي لا تملك سياسة مكتوبة للكشف ولا توفر قنوات إبلاغ آمنة، هي منشأة مكشوفة أمنياً وقانونياً وأخلاقياً.
وللحد من هذه الجرائم ترى فيروز الصافي، محامية بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، ضرورة اتخاذ ثلاث خطوات رئيسية أولها إلزام المنشآت بتطبيق معايير أمنية ورقابية صارمة لحماية خصوصية العملاء وثانيها تكثيف حملات التوعية القانونية لتشجيع الضحايا على الإبلاغ مع ضمان السرية الكاملة وحماية بياناتهم وثالثها دعم أجهزة إنفاذ القانون بالإمكانات الفنية اللازمة للكشف السريع عن الجرائم الإلكترونية وضبط مرتكبيها مع تحقيق العدالة الناجزة بما يحقق الردع العام والخاص.
كيف تتعامل الدول مع كاميرات التجسس؟
السعودية: تحظر رسميًا استيراد الكاميرات المخفية وبيع وتداول أجهزة التجسس الدقيقة في الأسواق، بعد أن رصدت هذه الجهات وجود تجاوزات واختراق لخصوصيات الأفراد، ويستثنى من ذلك كاميرات المراقبة الأمنية الظاهرة والمرخصة.
الصين: يمنع القانون هناك بيع هذه الأجهزة للمواطنين العاديين بشكل قاطع، وتنص المادة 283 من القانون الجنائي لبكين على "أن إنتاج وبيع معدات المراقبة أو التصوير أو غيرها من أجهزة التجسس الخاصة يُعد جريمة جنائية".
وفي روسيا، تفرض روسيا قيودًا مشددة للغاية تصل إلى الحظر شبه الكامل على تداول أجهزة المراقبة السرية، وشرّعت موسكو قوانين تحظر التصنيع والتوزيع والبيع والاستخدام غير المرخص لبعض كاميرات التجسس.
ألمانيا: تفرض اللوائح الفيدرالية وقوانين حماية البيانات (BDSG)، حظراً صارماً على الأجهزة التي تحتوي على كاميرات أو ميكروفونات مخفية داخل أشياء يومية (مثل الساعات أو الأقلام)، ويعتبر القانون الألماني هذه الأدوات كأجهزة بث غير قانونية ويُعاقب على حيازتها وبيعها.
الاتحاد الأوروبي: بموجب قانون حماية البيانات العام (GDPR)، يُعتبر التقاط صور أو فيديوهات لأشخاص دون علمهم عبر كاميرات مخفية في الأماكن العامة أو التجارية انتهاكاً جسيماً يُعاقب عليه بغرامات مالية ضخمة.
أمريكا: تمنع بعض الولايات الأمريكية بيع أو استخدام الكاميرات المخفية في أي مكان يتوقع فيه الشخص الخصوصية (مثل غرف الفنادق، غرف تبديل الملابس، ودورات المياه)، وتفرض ولايات مثل كاليفورنيا، قيوداً صارمة تصل إلى منع تركيبها نهائياً دون موافقة كتابية صريحة من الطرف الآخر.
وخلص التحقيق إلى أن تكرار جرائم التصوير المخفية داخل الأماكن التي يفترض أنها أكثر أمانًا وخصوصية، ليس سببه غياب التجريم القانوني والتشريعي، ولكن نتيجة لعوامل عدة متداخلة منها عدم وجود آلية واضحة للرقابة مع غياب المسئولية الحائرة بين الجهات المختلفة.
كما وضح جليًا ضرورة إلزام المنشآت التجارية والفندقية وغرف تبديل الملابس بوسائل كشف دورية للكاميرات الخفية والحاجة إلى التفتيش الدوري الموثق، وتقييد الوصول إلى المناطق الحساسة، وتركيب أنظمة إنذار ذكية ترصد أي جهاز غير مسجل على الشبكة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض