"شي جين بينغ" في مصر.. الزيارة التي تفتح نافذة على "بكين"
عالم الصينيات أحمد السعيد لـ"الوفد": لا أريد أن ننسخ الصين.. ونحتاج إلى "طول النفس المؤسسي"
ما وراء الصين التي نعرفها.. حضارة لا تُقرأ من الخارج
حين تلتقي حضارتان.. ماذا تقول الصين لمصر؟
الصين كما هي.. ليست جنة، والحداثة ليست غربية بالضرورة
بين اللغة والحضارة.. لماذا لا تكفي الترجمة وحدها؟
أن نتعلم من "التنين" لا يعني أن نصبح مثله.. ماذا نأخذ وماذا نترك؟
منذ سنوات، في معرض القاهرة الدولي للكتاب، سمعت الدكتور أحمد السعيد يتحدث عن طريق الحرير وإحيائه من خلال مبادرة الحزام والطريق؛ لا باعتباره طريقًا قديمًا عبرته القوافل، وإنما طريقًا ما زال مفتوحًا بين الحضارات، تعبره الكتب والأفكار واللغات والناس. والسعيد؛ المترجم والباحث والناشر والمثقف المتخصص في الشأن الصيني، هو مؤسس "بيت الحكمة للثقافة"، وقد أمضى أكثر من عقدين في دراسة اللغة والثقافة الصينية وترجمة الأدب والفكر الصيني إلى العربية، حتى غدت تجربته جسرًا ممتدًا بين ثقافتين.
كان "السعيد" يتحدث عن الصين كما يتحدث من عاش تفاصيلها، لا من اكتفى بالقراءة عنها، وعن العلاقات بين الشعوب كما لو أن الترجمة يمكن أن تكون جسرًا أطول عمرًا من السياسة. ومنذ ذلك اللقاء، ظل يلفتني في تجربته أنه لا يقف عند حدود الترجمة؛ فهو يتحرك بين لغتين وثقافتين، يقرأ الصين من الداخل، وينظر إلى مصر من الخارج.
ويأتي هذا الحوار في سياق زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر، وفي لحظة بدت فيها العلاقة بين البلدين أبعد من الاتفاقيات والمشروعات الاقتصادية، وأكثر احتياجًا إلى معرفة متبادلة تفهم التاريخ والثقافة والمصالح كما تفهم السياسة.
هنا؛ يتحدث "السعيد" عن علاقة الصيني بالزمن، وسر قدرة الصين على التخطيط والتراكم، وعن الكونفوشيوسية والدين والشرعية، والعلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين خطاب الصين عن نفسها وحياة المواطن اليومية. لكنه لا يتوقف عند الصين؛ فالغربة جعلته يرى مصر بعين مختلفة، مصر التي تحمل رصيدًا حضاريًا هائلًا في الوعي الصيني، لكنها لم تنجح، في رأيه، في تقديم صورتها المعاصرة للعالم بالقدر الكافي.
وبين أكثر من ألف عنوان تُرجمت إلى العربية، وتجربة "بيت الحكمة"، وقراءة الأدب الصيني، وكتاب "ما بعد الهيمنة"، يقدم السعيد رؤية لا تمجّد الصين ولا ترفضها، بل تحاول فهمها من الداخل، ثم مساءلتها بمعايير إنسانية، ووضع تجربتها في ميزان ما يمكن أن يفيد مصر. وربما تختصر الرحلة كلها فكرة واحدة؛ السياسات تتغير، لكن الحضارات تبقى.
عشت الصين من الداخل أكثر من 25 عاما. ما أكثر شيء في الشخصية الصينية فاجأك وخالف الصورة التي ذهبت بها من مصر؟
ــ أريد أولا أن أصحح تفصيلا صغيرا في السؤال. بدأت رحلتي مع اللغة الصينية قبل خمسة وعشرين عاما، أما معايشتي للصين فجاءت بعد ذلك؛ كانت زيارتي الأولى عام 2010. وأذكر هذا الفرق لأن الصورة التي تكونت في ذهني وأنا في القاهرة تغيرت كثيرا عندما ذهبت إلى الصين. كنت أتعلم لغة بلد لا أعرف عنه إلا ما يصلنا من أخبار وانطباعات، وكانت صورته في الذهن العربي محصورة بين البضائع الرخيصة والخطابات الأيديولوجية المتعارضة: من يراه معجزة كاملة، ومن لا يرى فيه إلا مصنعا هائلا يسكنه بشر متشابهون. وحين وصلت وجدت بلدا أشد اتساعا وتعقيدا من هاتين الصورتين.
أكثر ما فاجأني علاقة الصيني بالزمن. لم أفهم معنى التنمية هناك من ناطحات السحاب والقطارات السريعة بقدر ما فهمته من طريقة حديث الناس عن المستقبل: أسرة تدخر سنوات لتعليم ابنها، ومؤسسة تستثمر في سوق تعرف أن عائدها لن يأتي قريبا، ومسؤول محلي يتعامل مع خطة تمتد عقدا أو عقدين كأنها جزء عادي من عمله اليومي. وفي منطقة نينغشيا التي عشت فيها في شمال غرب الصين رأيت ذلك بعيدا عن بريق بكين وشنغهاي: فلاح يغير محصوله ويقبل انتظار النتيجة، ومدينة صغيرة تبني جامعة أو منطقة صناعية وهي تعرف أن الأثر الكامل لما تبنيه قد لا يظهر قبل جيل. نحن في ثقافتنا نسمي هذا صبرا، بينما يتعاملون معه بوصفه جزءا عاديا من التخطيط والعمل.
وفاجأتني كذلك صفات لا تجتمع في الصورة الشائعة عن الصيني: اعتزاز واضح بالهوية مع فضول تجاه العالم، وتمسك بالتقاليد لا يمنع تغييرا سريعا في أسلوب الحياة. كما أن الانضباط الجماعي لا يلغي براعة الفرد في البحث عن الحل العملي. ثم أدركت أن عبارة «الشخصية الصينية» نفسها تحتاج إلى حذر؛ فابن الشمال لا يشبه ابن الجنوب، وإيقاع شنغهاي غير إيقاع نينغشيا، والشاب الذي نشأ بعد الإنترنت لا يرى الدولة والعمل والأسرة كما رآها جيل والديه. لهذا أصبحت أكثر حذرا من الكلام عن الصينيين كأنهم نموذج بشري واحد.
وأهم ما غيرته التجربة في داخلي أنها زعزعت ثقتي في المعرفة السريعة. دخلت الصين وأنا أظن أنني قطعت شوطا في فهمها لأنني أتحدث لغتها، ثم اكتشفت أن معرفة اللغة ساعدتني على الدخول، لكنها لم تكن كافية لفهم المجتمع، وأن ما أجهله عن الصين أكبر كثيرا مما كنت أتصور. ومنذ ذلك الوقت أصبح سؤالي الأول دائما: ما الذي لم أفهمه بعد؟
هل غيرت اللغة الصينية طريقة تفكيرك؟ وما الفكرة التي يستحيل نقلها للعربية بدقة مهما بلغت براعة المترجم؟
ــ لا أظن أن اللغة تفرض على صاحبها طريقة واحدة في التفكير. لكن تعلم لغة بعيدة عن لغتك الأم يجعلك تلاحظ أشياء لم تكن تنتبه إليها من قبل. الصينية غيرت علاقتي بالسياق أو لنقل بكيفية النظر للحياة. في العربية نستطيع غالبا تثبيت المعنى بتعريف واضح، أما الصينية فتترك جانبا كبيرا منه لما يفهم من المقام: قد يغيب الفاعل، وقد يظل الزمن مفتوحا، وتكتسب الكلمة دلالتها من موضعها ومن العلاقة بين أجزائها ومن تاريخ الرمز نفسه ودلالته. ومع طول المعايشة تعلمت ألا أفصل العبارة عن ظرفها، وألا أحكم عليها قبل أن أعرف ما يحيط بها. وقد أفادني ذلك في قراءة السياسة والمجتمع، لا في الترجمة فقط.
وإذا أردتي مثالا يكشف حدود الترجمة فسأختار مفهوم بالصينية اسمه «تيان شيا»، أي «ما تحت السماء». العثور على مقابل عربي للفظ سهل نسبيا، لكن اللفظ يحمل تاريخا طويلا لا يظهر في المقابل العربي. استعمل المفهوم للدلالة على العالم أو المجال الواقع تحت السماء، وحمل عبر العصور معاني جغرافية وسياسية وإمبراطورية وأخلاقية متغيرة. وكان جزءا من تصور يرى النظام السياسي امتدادا لنظام كوني ويمنح المركز مسؤولية حفظ الانسجام، كما استعمل لتبرير مركزية الصين وترتيب علاقتها بمن حولها. وأي قراءة تكتفي بالجانب الأخلاقي أو بالطموح الإمبراطوري ستفقد جزءا مهما من تاريخه.
وعندما نقرأ اليوم حديث الصين عن «مجتمع المصير المشترك للبشرية» يمكن أن نسمع صدى لذلك التراث. لكنني لا أراه استمرارا مباشرا لمفهوم عمره آلاف السنين؛ فالدولة الحديثة تنتقي من ذلك التراث ما يلائم حاجات الحاضر وتعيد صياغته. وهذا التمييز ضروري لمعرفة ما بقي من التراث وما تغير.
هنا تبدأ مسؤولية المترجم. عليه أن ينقل النص بأمانة، لكنه قد يحتاج إلى مقدمة أو هامش أو شرح مقتضب حتى يتلقى القارئ المعنى في سياقه. وأحيانا تترجم العبارة بيسر، ثم تكتشف أن القارئ لم يسمع فيها ما يسمعه ابن الثقافة الأصلية، لأن التجربة التاريخية الكامنة وراء الكلمات لا تنتقل تلقائيا معها. وهذا عندي أصعب من العثور على المقابل اللغوي نفسه.
نظرتك لمصر اختلفت بعد الغربة. ما الجديد الذي اكتشفته عن مصر من الخارج؟ وهل راجعت بعض الصور النمطية التي كانت لديك عن بلدك؟
ــ حين تنظر إلى بلدك من الخارج ترى أشياء أخفاها الاعتياد. ومن الصين اكتشفت أن مصر في مخيلة الآخرين أكبر مما تبدو أحيانا في حديثنا عن أنفسنا. يدخل المصري إلى كثير من البيئات الصينية وفي رصيده احترام لم يصنعه بنفسه: اسم مصر يستدعي الحضارة القديمة والأزهر ونجيب محفوظ وقناة السويس ودولة لعبت دورا مركزيا في أفريقيا والعالم العربي. هذا رصيد صنعته أجيال، لكنه يحتاج إلى من يجدد حضوره ولا يكتفي بالاعتماد عليه.
ولاحظت في الوقت نفسه أن اسم مصر حاضر بقوة، لكن المعرفة بمصر المعاصرة محدودة. كثير من الصينيين يعرفون الأهرامات والتاريخ الفرعوني، لكن معرفتهم أقل بالجامعة والمصنع والمدينة الجديدة والسينما والرواية والتحولات الاجتماعية التي صنعت مصر الحالية. أدركت عندها أن غيابنا لا يعني أن الآخرين لا يحترموننا؛ هم يعرفون الصورة التي قدمناها، ولم نقدم لهم بما يكفي ما جاء بعدها. وجود الحضارة القديمة في الذاكرة الصينية نقطة بداية، وبعدها تأتي مهمة تقديم البلد كما هو الآن.
وراجعت أيضا فكرة شائعة عندنا تعيد أزماتنا إلى قلة الموارد. لكن ما رأيته في الصين أن المورد لا يصبح قوة إلا عندما تحسن المؤسسة إدارته، وأن التراكم قد يكون أثمن من اكتشاف مورد جديد. فالجامعة تبدأ مما أنجز قبلها، والتجربة المحلية الناجحة تنتقل إلى نطاق أوسع، والجهاز الإداري يحتفظ بخبرة المشروع بعد تغير الأشخاص. وفي مصر لا تنقصنا المواهب الفردية، لكن غياب التراكم يجعل أشخاصا كثيرين يعيدون العمل نفسه من البداية.
ولهذا زاد تقديري لمصر، وزاد معه انزعاجي من طريقة إدارة ما تملكه. لا أرى أن علينا استنساخ الصين، ولا أظن أن الصين تستطيع أن تمنحنا طريقا جاهزا. ما يمكن أن نتعلمه هو كيف نحول القيمة الحضارية والجغرافية والبشرية إلى نتائج يراها الناس ويستطيعون قياسها. وصورة الجمهورية الجديدة، بما فيها من بنية أساسية ومدن ومناطق صناعية ومشروعات حول قناة السويس، ينبغي أن تصل إلى العالم كما هي: إنجازات كبيرة داخل مجتمع حي ما زالت لديه أسئلته وتحدياته. ولا يمكن أن نترك هذه المهمة للإعلام وحده. المطلوب معلومات موثقة وقصة يستطيع المتلقي أن يفهمها، مصر أكبر في عيون العالم بكثير عما يراها أحيانا المصري نفسه، ومصر تملك الكثير مما يمكن أن تذهب له لمستقبل مشرق، أكثر بكثير أيضا مما نعتقد، وهذا ما تغير في رؤيتي لمصر من الخارج.
بعد كل هذه المدة، هل أصبحت ترى الصين «بعينها» لدرجة قد تبعدك عن نقدها؟ وكيف يحافظ الباحث على توازنه بين الفهم والنقد؟
ــ هذا الاحتمال قائم، ومن الخطأ أن يتصرف الباحث كأن طول المعايشة لا يترك فيه أثرا. القرب يساعدني على الفهم، لكنه قد يضعف حساسية النقد، والعلاقات المؤسسية قد تجعل السؤال أصعب إذا خاف الباحث أن يخسرها. لذلك لا أقدم نفسي بوصفي مراقبا يقف خارج كل علاقة؛ لدي أصدقاء وشركاء ومصالح عمل ممتدة في الصين، وأذكر ذلك بوضوح. وما يهمني هو ألا تجعلني هذه الصلات أتجنب سؤالا ينبغي طرحه، ولكني أحاول دائما أن أقدم الصين كما هي في عيني وليس نقل روايتها الرسمية عن نفسها، فأنا لدي أيدلوجيا وخلفيات ثقافية وفكرية دينية مختلفة عن الصيني، لذلك أرى ما ما لا يراه ، والحقيقة ساعدني ذلك أن أعبر عن الصين بطريقتي لا على الطريقة الصينية.
كذلك ساعدتني دراسة الإثنولوجيا في الدكتوراه وهي كما تسم في الصين علم العرقيات أو الأعراق البشرية على التمييز بين فهم المجتمع من داخله وبين تبرير كل ما يفعله. أبدأ بمحاولة معرفة كيف يفسر الصيني عالمه بلغته ومفاهيمه، ثم أنتقل إلى المقارنة والحكم. ولهذا أنوع مصادري بين الوثيقة الرسمية والأدب والحديث الخاص والبيانات وما أراه في المدينة والقرية. وعندما تختلف التجربة اليومية عن الخطاب الرسمي، لا أتجاهل أيا منهما. ولهذا أعود دائما إلى أكثر من مصدر قبل أن أصل إلى رأي.
يعجبني في التجربة الصينية قدرتها على التخطيط والتنفيذ والتعلم من الخطأ. وفي المقابل لدي تحفظات واضحة على الكلفة الإنسانية للمنافسة المفرطة، وعلى ما يتحمله الشباب في التعليم والعمل والسكن، وعلى ميل المؤسسات الكبرى أحيانا إلى تقديم صورة أكثر انسجاما مما تسمح به حياة مجتمع بالغ التنوع. والنجاح الاقتصادي مهم، لكنه لا يجيب عن كل ما يواجهه الفرد ولا يبرر أن يتحول إلى رقم داخل مشروع وطني. أطرح هذه الأسئلة لأن الإنسان يعنيني أينما كان، والصين ليست استثناء.
أنظر إلى الصين من موقع مصري واضح. أسأل في كل جانب من تجربتها: ما الذي يمكن أن يفيد مصر؟ وما شروط نجاحه؟ وما الثمن الذي دفعه المجتمع؟ وأي جزء منه سيفشل إذا نقلناه خارج سياقه؟ بهذه الأسئلة أقرأ الإنجاز والثمن معا. والمشكلة تبدأ عندما يتوقف الباحث عن السؤال ويكتفي بترديد ما يقدم له، أو يقرر منذ البداية أن كل ما يراه سيئ. عندها يصبح إما بوقا وإما خصما دعائيا. والنقد عندي هو أن أقبل الدليل حتى عندما يصطدم بما أحب أو أكره.

عندما نقول «ما تقوله الصين»، فأي صين نقصد؟ صين الدولة والحزب، أم صين المثقف والعامل والشاب؟ وأيها سعيت لفهمه؟
ــ نحتاج إلى التمييز بين الدولة والمجتمع، لكن الحدود بينهما في الصين ليست صلبة. الحزب والدولة حاضران في الجامعة والشركة والنقابة والحي، ولذلك يبدو التداخل أكبر مما نراه في مجتمعات أخرى. وهذا لا يلغي اختلاف الناس في الجيل والطبقة والمنطقة والتعليم والمصلحة، ولا يجعل المجتمع نسخة من الدولة. وما تقوله الوثيقة الرسمية لا يطابق دائما ما يعيشه العامل أو الطالب أو صاحب المشروع.
وحين أستخدم عبارة «ما تقوله الصين» أحاول أن أحدد المتكلم. أقرأ الوثيقة الرسمية لأعرف اتجاه الدولة وكيف تريد أن تقدم نفسها، وأقرأ نقاشات الباحثين لأفهم ما يسبق القرار أو يصاحبه. أما الأدب فيكشف الخوف والسخرية والوحدة وكلفة التحول، بينما يتحدث الشباب عن العمل والسكن والزواج، ويقيس الفلاح السياسة بما تغير في دخله وتعليم أولاده. كلها أصوات من داخل الصين، لكنها زوايا مختلفة، ولا يمثل أي منها البلد كله.
وقد سعيت طوال تجربتي إلى فهم هذه الأصوات معا. قرأت وثائق الحزب والدولة لأنها ضرورية لفهم اتجاه البلد، وعشت بين الناس في منطقة نينغشيا، وترجمت الأدب الذي يكشف الفرق بين الخطاب والحياة. وفي مشروعنا للنشر وضعت كتب الفكر السياسي بجوار روايات وانغ شياو بو وليو جين يون ويوهوا وغيرهم من الأدباء ، وغيرها من الأعمال التي تكشف القلق والسخرية وتبدل القيم. فالوثيقة تقول كيف ترى الدولة نفسها، والرواية تكشف كيف تؤثر التحولات في حياة الأفراد، وأنا أحتاج إلى الاثنين.
ما أبحث عنه هو العلاقة بين هذه الأصوات: كيف تتخذ الدولة قرارا، وكيف يستقبله المجتمع أو يعيد تكييفه، وكيف يتغير الطرفان مع تغير الاقتصاد والتكنولوجيا وبقاء الذاكرة حاضرة. ولا أظن أن خلف الدولة «صينا حقيقية» مختبئة تنتظر من يكشفها. الصين التي عرفتها دولة شديدة القوة، ومجتمع أوسع بكثير من أن يذوب فيها، وبينهما أخذ ورد مستمر، وهذا هو الطبيعي في الدول عامة، لا توجد دولة واحدة في العالم بلون واحد وصوت واحد، ولكن الميزة الكبرى للصين هو أن الشعب يلتزم بما تقوله الحكومة مادامت تحقق له تقدما على مستوى المعيشة، فهناك عقد ضمني أن للشعب حياة مرفهة وللحكومة والحزب السياسة وكل لا ينقض عهده في ذلك.
ترفض اختزال الصين في الصورة الغربية. إذن ما هي المعايير البديلة التي نقيم بها التجربة الصينية فكريا وأخلاقيا؟
ــ أرفض في الحقيقة معيارين. الأول معيار غربي يقدم تجربته التاريخية على أنها الطريق الوحيد إلى الحداثة. والثاني يصنع للصين استثناء يعفيها من كل سؤال. اختلاف التاريخ والحضارة لا يلغي وجود قيم إنسانية مشتركة، والخصوصية لا تمنح دولة حصانة أخلاقية. لذلك أبدأ من نقطة انطلاق التجربة والأهداف التي وضعتها، ثم أنظر إلى ما أنجزته وما كانت كلفته وكيف راجعت أخطاءها.
وأبدأ بما حدث فعلا في حياة الناس. خرج مئات الملايين في الصين من الفقر المدقع، واتسع التعليم، وأقيمت بنية أساسية وصناعية غيرت موقع البلد ومصائر أسر كاملة. لا يمكن إسقاط هذه النتائج لأن النظام لا يشبه نموذجا سياسيا مألوفا في الغرب. لكن الرقم الإجمالي لا يكفي أيضا؛ أريد أن أعرف كيف توزعت الثروة، وما الفجوة بين المدينة والريف، وما نصيب العامل من ثمرة النمو، وهل يستطيع الناس التعبير عن أثر السياسة في حياتهم. فالأرقام العامة مهمة، لكنها لا تغني عن معرفة ما حدث لفئات المجتمع المختلفة.
وأراقب كذلك قدرة النظام على الاعتراف بالخطأ وتصحيحه. عدلت الصين سياسة الطفل الواحد بعد ظهور كلفتها الديموغرافية والاجتماعية، وانتقلت تدريجيا من نموذج نمو دفعت البيئة ثمنه باهظا إلى استثمارات واسعة في الطاقة النظيفة ومكافحة التلوث. التصحيح مهم، لكنه لا يعفينا من النظر إلى بطء القرار وإلى من دفعوا ثمن التأخر خلال سنوات الانتظار.
وأنظر أيضا إلى أثر التجربة خارج حدودها. في علاقة الصين بشركائها أسأل: هل يستطيع الشريك التفاوض والاختيار؟ وهل يخرج من المشروع بقدرة أكبر على الإنتاج والتقنية؟ وهل تترك الاستثمارات وراءها مؤسسات محلية أقوى؟ وأستخدم المعيار نفسه مع الغرب ومع أي قوة صاعدة.
ثم أضع كرامة الإنسان والعدل وحق المجتمع في معرفة ما يجري باسمه ضمن معايير التقييم الأساسية. لا أستخدم هذه القيم ضد الصين ثم أعلقها عندما تعجبني نتائجها. والفهم لا يطلب مني تعليق الحكم، لكنه يمنعني من إطلاقه قبل معرفة الوقائع. لذلك أعترف بما أنجزته الصين، وأسأل أيضا عن الثمن ومن دفعه ومن كان يملك الاعتراض. باختصار رأي هو أن التجربة الغربية ناجحة في دول بعينها عانت ودفعت ثمن التقدم، والتجربة الصينية على النموذج الصيني أثبتت أن هناك طريقا أخر للتقدم وما بين الطريقين فرصة لكل دولة لتبحث لنفسها عن نموذج، ومعرفة ما يقوله الغرب عن الصين مهم، ومعرفة كيف ترى الصين نفسها مهم، وبينهما يأتي دور المتلقي في الحكم والتمييز.
تقول إن الثقافة في الصين قامت تاريخيا بوظائف الدين. هل استغنى المجتمع الصيني عن «الدين» وحول الثقافة إلى نظام للأخلاق والشرعية؟ وما الأثر السياسي لذلك؟
ــ الصين ليست مجتمعا بلا دين، وهذه نقطة ينبغي توضيحها أولا. عرفت البوذية والطاوية والديانات الشعبية، وفيها الإسلام والمسيحية. وقد قضيت سنوات مهمة من حياتي في منطقة نينغشيا بين مسلمي قومية هوي، ورأيت مساجد وطقوسا وذاكرة دينية حية. ما أقصده أن المجال العام والعلاقة بين الأسرة والتعليم والسلطة لم ينظمهما تاريخيا دين سماوي واحد، وإنما تراث أخلاقي وسياسي كونفوشيوسي تشابك مع الطاوية والبوذية والعادات المحلية.
الكونفوشيوسية لم تكن دينا بالمعنى المعروف في حضارات التوحيد، لكنها أدت بعض وظائف الدين. أعطت الناس لغة أخلاقية للسلوك، وجعلت التعليم ذا منزلة عالية، ورتبت الواجبات بين الأب والابن والحاكم والمحكوم، وربطت انتظام المجتمع بفضيلة من يتولى المسؤولية. ولذلك لم تقم شرعية الحاكم على القوة فقط. فمفهوم «تفويض السماء» كان يعني، في أحد وجوهه، أن السلطة تفقد استحقاقها عندما يعم الفساد والعجز والفوضى، وكان تغير السلالات يفسر أحيانا بوصفه دليلا على سحب ذلك التفويض.
أما الصين الحديثة فتستند شرعية نظامها إلى عناصر أخرى إلى جانب التراث: الثورة وتوحيد البلاد، والإنجاز الاقتصادي وتحسين مستوى الحياة، واستعادة مكانة الصين بعد ما يسميه الصينيون «قرن الإذلال». وفي العقود الأخيرة عادت اللغة الحضارية لتضيف عمقا تاريخيا إلى هذه العناصر. ولهذا يربط الحزب، في تقديمه لنفسه، بين قيادة المشروع الاشتراكي وحماية استمرار الحضارة الصينية.
هذا التركيب يساعد الدولة على تعبئة المجتمع حول أهداف طويلة، كما يجعل الناس يطالبونها بالأداء والاستقرار والكفاءة. لكنه قد يرفع «الانسجام» فوق الخلاف، ويصور الاعتراض أحيانا كأنه تهديد للنظام الأخلاقي والاجتماعي، لا اختلاف حول سياسة بعينها. وفهم هذه اللغة لا يبرر ما تفعله السلطة، لكنه يبين كيف تخاطب شعبها وعلى أي أساس تطلب منه الشرعية.
الصين اليوم تستدعي كونفوشيوس والطاوية في خطابها السياسي. هل هذه عودة حقيقية للتراث، أم إعادة اختراع له لخدمة دولة حديثة ومشروع عالمي؟
ــ أراها عودة حقيقية، لكنها ليست استعادة للتراث كما كان. كل جيل يختار منه ما يحتاج إليه ويعيد ترتيب معانيه. والصين التي هاجمت كونفوشيوس في مراحل من القرن العشرين، وخصوصا خلال الثورة الثقافية، عادت بعد الإصلاح والانفتاح تبحث في التراث عن لغة أخلاقية وحضارية تساند تحولا اقتصاديا هائلا. فقد غير السوق المجتمع بسرعة، ولم يعد الخطاب الثوري القديم قادرا على تفسير الحياة الجديدة، فظهرت الحاجة إلى مفردات مثل الانسجام والفضيلة والأسرة والتعلم واحترام النظام.
والاختيار الرسمي واضح. تنتقي الدولة من كونفوشيوس «الوئام مع بقاء الاختلاف» و«الحكم بالفضيلة» و«التناغم»، وتستفيد من الطاوية في حديثها عن التوازن بين الإنسان والطبيعة، ثم تضع هذه العناصر داخل مفاهيم مثل الحوكمة الرشيدة والحضارة الإيكولوجية ومجتمع المصير المشترك. وبهذا تربط مشروعها السياسي بتاريخ أقدم من الأيديولوجيا الحديثة.
وهذا لا يعني أن المفاهيم التراثية تعيش في الخطب فقط. تقديس التعليم، ومركزية الأسرة، واحترام الكبير، وأهمية العلاقات، وتقديم الجماعة في مواقف كثيرة على الرغبة الفردية، كلها حاضرة في الحياة اليومية. فالدولة لا تبدأ من فراغ اجتماعي وهي تستدعي التراث. لكن السؤال هو ما الذي تستحضره منه وما الذي تتجاهله؛ ففي الكونفوشيوسية واجب نصح الحاكم ومسؤوليته الأخلاقية، وليس فيها الطاعة فقط. وعندما يؤخذ جانب الطاعة ويهمل الجانب الآخر يصبح التراث أقرب إلى أداة سياسية.
أما الدرس المصري عندي فيتصل بطريقة السؤال. الصين تسأل تراثها عما يمكن أن يقدمه للمستقبل، بينما نهدر نحن وقتا طويلا بين من يريد تحويل التراث إلى متحف ومن يحوله إلى ساحة قتال. نحتاج إلى قراءة تستخرج منه ما يساعد على البناء، مع بقاء حق العقل في النقد. وما يعنيني هو أن نستعمل التراث لفهم الحاضر وبناء المستقبل، مع الاحتفاظ بحق نقده.
الصين تطرح «مجتمع المصير المشترك للبشرية» وتتمسك في الوقت نفسه بمبدأ السيادة وعدم التدخل. كيف يمكن التوفيق بين «وحدة المصير» و«خصوصية النموذج الصيني»؟

ــ مبدأ عدم التدخل في الخطاب الصيني ليس شعارا عابرا. يرتبط بذاكرة بلد تعرض لتدخلات واحتلالات وإملاءات أجنبية، وبحساسية شديدة تجاه السيادة ووحدة الأرض. وفي الوقت نفسه يخدم مصلحة سياسية واضحة في حماية النموذج الصيني من الضغوط الخارجية. لذلك أفهمه باعتباره مزيجا من الخبرة التاريخية والمبدأ والمصلحة، ولا أختزله في فضيلة خالصة أو خدعة سياسية.
أما «مجتمع المصير المشترك» فينطلق من واقع أن المناخ والأوبئة والتجارة والأمن والتنمية قضايا تتجاوز قدرة الدولة الواحدة. وفي التصور الصيني لا يقتضي الاشتراك في مواجهتها أن تسلك الدول طريقا سياسيا واحدا. ومن هنا تقول الصين إن التعاون في القضايا العابرة للحدود يمكن أن يجتمع مع حق كل أمة في اختيار نظامها ومسارها.
لكن تطبيق هذا المبدأ في العلاقات الدولية أعقد من صياغته. فالتمويل يصنع نفوذا، والسوق بالطبع بما يفرضه يمنح قوة تفاوض، والتكنولوجيا تحمل معاييرها معها وأيضا مزاياها، وكل دولة كبرى تحمي مصالحها. والصين تضع عادة شروطا أقل اتصالا بنظام الحكم والسياسات الداخلية من مؤسسات غربية كثيرة، لكنها تضع شروطا تجارية واستراتيجية، ولديها خطوط سياسية واضحة في القضايا التي تعدها من مصالحها الأساسية. لذلك أفضل الحديث عن اختلاف نوع الشروط ودرجة التدخل، لا عن علاقة «بلا شروط». وهو شيء غير مطروح في علاقات الدول.
وبالنسبة إلى مصر، يمنحنا الطرح الصيني هامشا أوسع للحركة ولا يطالبنا بالاختيار بين هويتنا وشراكاتنا الدولية. لكن هذا الهامش لن يفيدنا إذا دخلنا العلاقة من دون تصور واضح لما نريده من التمويل والاستثمار والتكنولوجيا؛ عندها سيحدد الطرف الأقوى شكلها حتى من غير إملاء سياسي مباشر. والحفاظ على السيادة يحتاج إلى جهة مصرية تعرف ما تريد، وتتفاوض عليه، ثم تتابع تنفيذه. وبهذه القدرة يمكننا توسيع التعاون من دون أن نفقد استقلال القرار.
بعد ترجمة مئات الكتب بين العربية والصينية، هل المشكلة أننا لا نعرف بعضنا؟ أم أن لكل حضارة «نظاما مختلفا لصناعة المعنى» لا تنقله الترجمة كاملا؟
ــ نعاني من المشكلتين معا. فما زالت معرفة العربي بالصين محدودة، ومعرفة الصيني بالعالم العربي تمر غالبا عبر التاريخ أو السياسة أو صورة أمنية واقتصادية مختصرة. ويمكن للكتب والبعثات والبرامج أن توسع هذه المعرفة، وقد قطعنا في ذلك شوطا مهما. لكن الكلمات تعبر الحدود أسرع من المعاني؛ فقد يعرف الطرفان الوقائع نفسها ثم يفهمها كل منهما على نحو مختلف، لأن علاقة الفرد بالجماعة والدولة والأسرة والزمن تشكلت في كل حضارة داخل تاريخ خاص.
كلمات مثل «الدولة» و«الحق» و«الأسرة» و«العلاقة» و«الوجه». هذه الكلمات لا تدخل لغة أخرى خالية من تاريخها. عندما يقول الصيني «الاستقرار» قد يسمع العربي معنى إيجابيا عاما، بينما تحمل الكلمة في السياق الصيني ذاكرة الفوضى والانقسام والمجاعة وتدخل في تصور كامل للشرعية. وعندما يتحدث العربي عن الكرامة أو العدالة قد يفهم الصيني اللفظ، من دون أن يعرف التجربة التاريخية والعاطفية التي أعطته مكانه في وجداننا. وهنا لا تكفي القواميس؛ نحتاج إلى معرفة ما عاشه الآخر وما يستدعيه اللفظ في ذاكرته.
ولهذا أميز بين وظيفة المترجم ووظيفة المؤسسة الثقافية. المترجم ينقل النص بأمانة ولا يعيد كتابته ليلائم ذائقته أو موقفه. أما المؤسسة فتختار نصوصا متنوعة، وتقدم المقدمات والهوامش، وتنظم لقاءات مباشرة حتى لا يبقى الكتاب مفصولا عن البيئة التي خرج منها. الترجمة الدقيقة هي البداية، وبعدها تأتي مهمة تقديم الكتاب داخل سياقه.
ومن هذه الخبرة بلورت أنا بعد تفكير ودراسة وبحث لسنوات مفهوم «التنمية التفاهمية». فالفهم المتبادل في رأيي جزء من المشروع المشترك منذ بدايته، وليس نشاطا ثقافيا يضاف بعد إنجازه. رأيت مؤسسات عربية وصينية تبدأ عملا مشتركا بحسن نية ثم تتعثر، لأن لكل طرف طريقته في اتخاذ القرار، وفهمه للعقد والثقة والعلاقات الشخصية وما يمكن قوله مباشرة. وهذه المشكلة لا تحلها فعالية ثقافية عابرة؛ تحتاج إلى مترجمين مؤهلين وباحثين مشتركين وبرامج إقامة طويلة ومناهج تعليم ومراكز معرفة تنتج قراءة مستقلة للطرفين. ومن دون هذا العمل قد يضيع المال والوقت بسبب سوء فهم كان يمكن تجنبه.
أنت تختار ما يصل للقارئ العربي. ألا يمارس المترجم «تحريرا حضاريا»؟ فمن يحدد أي «صين» نعرفها: الدولة، السوق، المترجم، أم المثقف؟
ــ نعم، المترجم والناشر يمارسان سلطة، لكنهما يمارسانها في مرحلتين مختلفتين. تبدأ الأولى باختيار ما يترجم، وهي سلطة ثقافية وتحريرية لا سبيل إلى إنكارها؛ فكل عنوان نختاره يتيح مساحة لصوت ويترك أصواتا أخرى خارج الاختيار. وبعد اختيار الكتاب تبدأ مسؤولية مختلفة: نقل المؤلف بأمانة، من دون تعديله أو تأديبه أو جعله يقول ما نحب. من حق المترجم أن يشرح ما يحتاج إلى شرح، وليس من حقه أن يعيد تشكيل النص وفق موقفه.
وتتشكل صورة الصين التي تصل إلى القارئ العربي من برامج الترجمة الصينية وأولوياتها، ومن طلب السوق، وقدرة الناشر المالية، وذائقة المترجم، وما تدعمه المؤسسات العربية أو تهمله. فالتمويل يؤثر فيما ينشر، كما أن غيابه يمنع مشروعات أخرى من الظهور. ولهذا أفضل أن تكون هذه المؤثرات معلنة، وأن يتعدد المترجمون ودور النشر والمدارس الفكرية، حتى يصبح من الصعب على جهة واحدة أن تحتكر صورة الصين.
ومنذ تأسيس بيت الحكمة عام 2011 حاولنا توسيع دائرة ما يصل إلى القارئ. نشرنا كتب الفكر السياسي والإدارة والاقتصاد، ووضعنا بجوارها الرواية والشعر وأدب المرأة والقرية والمدينة، والأعمال التي تكشف السخرية والقلق والبيروقراطية والتحولات القاسية داخل المجتمع. وتجاوز ما نقلناه وأشرفنا عليه ألف عنوان، وتعمل المؤسسة اليوم في ست دول ولها أكثر من ثمانين موزعا في العالم العربي. وبالطبع لا تستطيع مؤسسة واحدة تقديم الصين كلها. ما تقوله هذه الأرقام هو أننا حاولنا تنويع ما يصل إلى القارئ.
وتظل المشكلة الأكبر في الاتجاه العكسي. فما يصل من العربية إلى الصينية أقل بكثير مما يصل من الصينية إلى العربية، وكثير منه يعيد الاختيارات نفسها. وإذا أردنا معرفة متبادلة فعلى الصين أن تقرأ مصر والعالم العربي بأصواتهما المتنوعة، لا من خلال ما تختاره المؤسسات الصينية فقط. ولهذا أرحب بكل مترجم جديد وبكل دار تدخل المجال، لأن تعدد الاختيارات يجعل الصورة أوسع من ذائقة شخص واحد، أيا كان. لكن هنا لا بد أن أتحدث عن مشكلة التمويل ومن ينفق له الحق في تحديد ما يفعل وهذه هي قاعدة التبادل الثقافي، الصين لديها خمسة مشورعات كبرى لترجمة كتبها للغات العالم وترصد ميزانية بالملايين سنويا، والدول العربية لا تملك مشروعا واحدا ممولا معني بالترجمة عن العربية، وهذا أمر لا يصنع تكافئا ولا حتى حق اختيار كما نريد.
ما الكتاب الصيني الذي لو قرأه المصريون لتغيرت صورتهم عن الصين؟ وبالعكس، ما الكتاب العربي الذي تتمنى أن يقرأه الصينيون ليفهموا مصر الحقيقية؟

ــ إذا كان علي أن أختار للمصريين كتابا واحدا فسأختار رواية لو ياو «العالم العادي»، وهي ثلاثية واسعة عن أسرة ريفية فقيرة تعيش سنوات التحول الصيني. قيمتها أنها تجعلنا نعيش تفاصيل الحياة اليومية خلال سنوات التنمية: تعب الناس وطموحهم وعلاقاتهم والمسافة بين القرية والمدينة، والفرص التي فتحتها الإصلاحات والخسائر التي صاحبتها. يقرأها الصينيون جيلا بعد جيل لأن كثيرا منهم يرى فيها سيرة أسرته. ومن يقرأها في مصر سيكتشف أن ما نسميه «المعجزة الصينية» كان تجربة يومية شاقة لملايين البشر، فيها نجاحات وانكسارات، وأن الصيني أقرب إلينا من الصورة الشائعة عنه كآلة لا تعرف إلا العمل.
وللقارئ الصيني أختار «الأيام» لطه حسين. لا يلخص الكتاب مصر كلها، لكنه يقدم للقارئ جانبا مهما من شخصيتها الحديثة: الصعود بالمعرفة. طفل كفيف يخرج من قرية فقيرة، وينتقل من مدرسة القرية إلى الأزهر ثم الجامعة، ويعيد بناء حياته بالتعليم والشك والعمل. والقارئ الصيني يعرف جيدا معنى أن تجعل الأسرة من تعليم أبنائها طريقا لتغيير المصير، ولذلك يستطيع الاقتراب من تجربة طه حسين رغم اختلاف اللغة والدين. ومن خلال هذه السيرة يرى مصر الحديثة بوصفها بلدا كان التعليم فيه واحدا من طرق الخروج من الحرمان وصنع النهضة.
علاقتنا مع الصين قوية سياسيا واقتصاديا. لكن هل نستورد من الصين السلع أكثر مما نستورد الأفكار؟ وهل نقدم للصينيين مصر المعاصرة أم نكتفي بصورة مصر الفرعونية؟
ــ نعم، نستورد من الصين السلع أكثر بكثير مما نستورد الأفكار، وحتى عندما نهتم بالأفكار نأخذ الشعار غالبا ولا نتوقف بما يكفي عند المنهج الذي أنتجه. نشتري الهاتف والآلة والقطار، لكننا لا نسأل: كيف بني التعليم الفني الذي صنع العامل؟ وكيف انتقلت التكنولوجيا من التقليد إلى الابتكار؟ وكيف جربت المدن والمقاطعات سياسات مختلفة قبل تعميم الناجح منها؟ وكيف ربطت الدولة الاستثمار بهدف صناعي ممتد؟ والاستفادة تبدأ حين نفهم كيف عملت التجربة، ثم نحدد ما يصلح لمصر وما لا يصلح.
وهذا يقود إلى خلل معرفي يوازي الخلل التجاري. فجزء مهم مما نعرفه عن الصين يصل إلينا بتمويل ومبادرة صينية، بينما يظل استثمارنا العربي في المعرفة المستقلة بها محدودا. نحن بحاجة إلى مراكز بحثية وقواعد بيانات ومترجمين اقتصاديين وتقنيين، وإلى باحث مصري يستطيع قراءة الخطة الصينية وعقد الشركة وسلوك السوق من دون وسيط. ومن يدخل التفاوض بمعرفة مصدرها الطرف الآخر فقط يكون قد سلم له نصف أوراقه.

وفي المقابل ما زلنا نقدم للصينيين مصر الفرعونية أكثر مما نقدم لهم مصر المعاصرة. والاهتمام بالأهرامات طبيعي، لكن الوقوف عندها يحجب البلد الذي تغير حولها. أريدهم أن يروا ما شهدته مصر خلال السنوات الأخيرة من إعادة بناء جزء كبير من بنيتها الأساسية، وأن يتعرفوا إلى مشروعات الجمهورية الجديدة بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، والعاصمة الإدارية والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس وشبكات الطرق والطاقة. وأريدهم أيضا أن يروا المصريين الذين يصنعون هذه التحولات ويناقشون آثارها ويعيشون تحدياتها، حتى تظهر الإنجازات داخل سياقها الاجتماعي، لا كمنشور دعائي منفصل عن حياة الناس.
ولهذا حرصنا، خلال جولة وفد صحيفة الشعب اليومية التي نتعاون معها منذ خمسة عشر عاما، على أن تمتد الزيارة من القاهرة إلى العين السخنة والإسماعيلية، وأن تشمل مشروعات التعاون والمصانع والقناة والناس، بدلا من الاكتفاء بالآثار وقاعات الاجتماعات. كان الهدف أن يرى الوفد مصر وهي تعمل وتتغير. فمصر الفرعونية حاضرة في أذهانهم بالفعل؛ وما يحتاجون إلى رؤيته هو مصر التي تعيش الآن.
بعد كل هذه السنوات، ما الشيء الذي تتمنى أن يتعلمه المصريون من الصينيين؟ وما الشيء الذي تتمنى ألا نقلدهم فيه؟
ــ أهم ما أتمنى أن نتعلمه هو طول النفس المؤسسي. يضع الصينيون هدفا بعيدا، ثم يقسمونه إلى مراحل ويقيسون التنفيذ ويعدلون الطريق من دون هدم كل ما سبق. وبهذه الطريقة لا يبدأ كل مسؤول أو مؤسسة من جديد. وتعلمت منهم أيضا قيمة التجربة المحلية؛ فقد تبدأ سياسة في قرية أو مدينة، ثم تراقب نتائجها وتتوسع إذا نجحت. ونحن نحتاج إلى هذه الاستمرارية أكثر من حاجتنا إلى إطلاق خطط جديدة كل فترة.
وأتمنى أن نتعلم مكانة التعليم في البيت قبل المدرسة. تتعامل الأسرة الصينية مع تعليم أبنائها بوصفه استثمارها الأول، وتربط المكانة الاجتماعية بالاجتهاد والمعرفة. وأنا أعرف أن النظام التعليمي هناك يعاني ضغطا قاسيا، لكن تقدير التعلم يظل حاضرا ولا ينتهي بالحصول على الشهادة. وأريد كذلك أن نعيد الاعتبار إلى المهارة الفنية، وأن يكون العامل والفني جزءا أصيلا من مشروع الصناعة، لا في مرتبة اجتماعية أدنى من صاحب الشهادة النظرية.
أما ما لا أريد تقليده فهو النموذج نفسه. فقد بنت الصين تجربتها بما يلائم حجمها وتاريخها وتركيب دولتها، ونقل شكلها المؤسسي من دون شروطه سيمنحنا شكلا صينيا لا يعمل في الواقع المصري. ولا أريد أيضا أن ننقل ساعات العمل المرهقة التي تستولي على حياة الناس. فالشباب الصيني نفسه يشكو مما يسميه «الاستنزاف الداخلي»، ومن ثقافة العمل من التاسعة صباحا إلى التاسعة مساء ستة أيام في الأسبوع، وما يصاحبها من إنهاك وتأخر في الزواج والإنجاب وضعف في العلاقات الإنسانية.
وفي مصر لدينا ما ينبغي الحفاظ عليه: الأسرة والصداقة والقدرة على الوقوف إلى جوار بعضنا في الأزمات وعلى الفرح حتى في الظروف الصعبة. ولا أريد أن نستخدم هذا الدفء ذريعة للفوضى أو ضعف الإنجاز. نستطيع أن نصبح أكثر انضباطا في العمل من دون أن نخسر ما في مجتمعنا من إنسانية. المهم أن نتعلم طريقة العمل، وألا نستورد معها ما يرهق الإنسان.
لو اختفت غدا كل الاتفاقيات السياسية والاقتصادية بين مصر والصين، ما الشيء الثقافي الوحيد الذي يمكن أن يبقى ويجعل الشعبين قادرين على إعادة بناء العلاقة من جديد؟
ــ باختصار شديد وإيجاز "ستبقى الحضارة" فالحضارة لا تموت ومصر والصين أصحاب حضارة وهذا ليس شعارا صحفيا ترويجيا، العظام داخل الأجساد\د تحتفظ بالجين الحضاري وتتصرف بناء عليه، لننظر لوضع مصر في محيطها الإقليمي، حولنا صراعات وانقسامات وحروب أهلية، ونحن في رباط، هذا الرباط هو رباط الحضارة، الحضارة في أحد صورها هي حب الحياة ونحن نحب الحياة مهما كانت ظروف معيشتنا، الحضارة هي الوحدة ونحن في وحدة لا ننقسم منذ آلاف السنين، لنفرق دائما بين الظرف السياسي وبين الوضع الاجتماعي، السياسة تتغير والمصري صاحب الحضارة يبقى تحت كل ظرف، والصين تتشابه معنا جدا في ذلك والتاريخ خير شاهد،
أيضا سيبقى في رأيي الأشخاص الذين عاشوا هذه العلاقة بالفعل، وستبقى المعرفة والذكريات التي تكونت لديهم. قد تلغى الاتفاقيات في يوم واحد، لكن المترجم الذي عاش بين لغتين، والطالب الذي تعلم الصينية، والباحث الذي بنى صداقات وخبرة، والقارئ الذي تغيرت صورة الصين أو مصر في ذهنه بعد كتاب، لا يعود بسهولة إلى نقطة الصفر. هؤلاء هم الرصيد الذي يسمح للشعبين بالبدء من جديد.
وخلال خمسة عشر عاما نقل مشروع بيت الحكمة أكثر من ألف عنوان إلى العربية، واتسعت أقسام اللغة الصينية في الجامعات المصرية، وتكونت على الجانبين شبكة من المترجمين والناشرين والباحثين. وتظهر أهمية هذه الشبكة عند وقوع خلاف سياسي أو سوء فهم إعلامي؛ ففي تلك اللحظة يوجد من يعرف اللغة، ويتذكر خبرته الشخصية، ويستطيع مخاطبة الطرف الآخر مباشرة.
والتواصل العربي الصيني أقدم من الدولتين بصورتهما الحديثة. مر بفترات ازدهار وانقطاع، ثم عاد في صور جديدة، وظلت طرق التجارة والحجاج والرحالة والكتب تحفظ جزءا من الذاكرة بين الجانبين. لهذا لا أنظر إلى الثقافة كزينة فوق العلاقات السياسية والاقتصادية، وإنما كأحد الأسس التي تسمح للعلاقة بالعودة بعد الأزمات. وقد تتغير السياسة، لكن من عرفوا الطرف الآخر وقرأوا أدبه وتاريخه يحتفظون بشيء يمكن الرجوع إليه.
ما السؤال الذي لم تجده بين الأسئلة، وكنت تتمنى الإجابة عنه؟
ــ السؤال الذي نفتقده غالبا هو: ماذا تريد الصين من مصر؟ اعتدنا أن نسأل ماذا نريد نحن من الصين، ثم نتصرف كأن الطرف الآخر قوة لا احتياجات لها. والصين تريد من مصر أمورا عملية: شريكا مستقرا عند ملتقى أفريقيا والعالم العربي والبحر المتوسط، وموقعا متصلا بقناة السويس ومسارات التجارة، وسوقا ومركزا محتملا للتصنيع والتصدير، ودولة لها وزن سياسي وحضاري داخل الجنوب العالمي. وتريد أيضا تفهما لمصالحها الأساسية، وأن نتعامل معها من خلال معرفة مباشرة، لا من خلال الرواية الغربية فقط.
وهناك جانب آخر يتعلق بالصورة. فبعد عقود من الصعود الاقتصادي لا تريد الصين أن تبقى في نظر العالم مصنعا فقط؛ تريد اعترافا أوسع بمكانتها الحضارية، وتريد لأفكارها عن التنمية والنظام الدولي والحوار الحضاري أن تصل بلغتها هي. ومصر مهمة في هذا المجال لأن تأثيرها يتجاوز حجم سوقها؛ فالقاهرة ما زالت مركزا للغة العربية والنشر والتعليم الديني والثقافي، وما يكتسب شرعية فكرية فيها يجد طريقا أوسع إلى المنطقة. وهذا يمنح مصر قيمة تفاوضية لا نستفيد منها دائما كما ينبغي.
لكن فهم ما تريده الصين لا ينبغي أن يقودنا إلى الرومانسية. هي قوة كبرى تحمي شركاتها وأسواقها وممراتها ومكانتها الدولية، وتدخل العلاقة ومعها مؤسسات وخطط وتمويل وقدرة ضخمة على إنتاج المعرفة. ومصر تدخل أيضا بمصالحها. المسألة هي ما إذا كنا سنحول حاجة الصين إلى موقعنا وسوقنا ومكانتنا الحضارية إلى تصنيع محلي ونقل فعلي للتكنولوجيا وتدريب للكوادر ومراكز بحث وترجمة متبادلة. وإذا لم نفعل فسنظل سوقا ومحطة عبور ومضيفا جيدا للفعاليات. لكن ذلك كله لن يتحول إلى نفوذ ما لم تكن لدينا مؤسسات تعرف كيف تستثمره.
وهذه المسألة تقع في قلب كتابي «ما بعد الهيمنة». لا أبحث عن عالم تحل فيه هيمنة صينية محل الهيمنة الغربية، ولا أظن أن تعدد الأقطاب يضمن العدالة من تلقاء نفسه. ما يعنيني هو قدرة الدول والمجتمعات على تعريف مصالحها وفهم القوى التي تتعامل معها. وعندما أتحدث عن التفاهم لا أقصده كفضيلة أخلاقية فقط؛ فهو جزء من التفاوض والتنمية. والمفاوض الذي يعرف حاجة شريكه أقدر على تحويلها إلى مكسب مشترك. ولهذا أرى أن الاستثمار في معرفة الصين ضرورة عملية، بينما ما زال الإنفاق المصري والعربي على هذا النوع من المعرفة محدودا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض