رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

كلمة حق

ليس لدىّ مانع أو رأى مخالف، بأن التكنولوجيا أصبحت جزءًا أساسيًا من منظومة الدولة الحديثة، وأن تطوير منظومة العدالة والقضاء واستخدام الوسائل الإلكترونية فى إجراءات التقاضى يمثلان استجابة طبيعية لمتغيرات العصر الحديث.
باقٍ أيام قليلة تفصلنا على بدء تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، وجاءت فى الباب الثالث منه إجراءات التحقيق والمحاكمة عن بُعد، حملتها المواد من 530 إلى 537، والتى سيبدأ تطبيق القانون فيها فى 1 أكتوبر 2026 آخر الأسبوع الجارى، والسؤال هنا: هل نحن أمام قانون جديد ينظّم اجراءات المحاكمات الجنائية للمواطنين؟ أم نحن أمام قانون يحمل أفكارًا مستحدثة ومبتكرة وقد تكون مهمة فى تطوير منظومة العدالة؟
وقبل الإجابة على هذه التساؤلات أوقن أن كل تطوير تشريعى يحتاج إلى قدرة على إنفاذ هذه الأفكار، قدرة مادية ولوجستية وبشرية قادرة على استيعاب هذه الأفكار وتطبيقها بشكل أفضل مع فرض رقابة مجتمعية وقانونية مستمرة على التطبيق للوقف على الأثر التشريعى لهذه القوانين.
وأقولها بصراحة لدىّ تخوفات كبيرة من مسألة المحاكمات عن بُعد، لأن العدالة ببساطة ليست شاشة، والمتهم ليس مجرد صورة على تنقل متلفزة عبر هذه الشاشة.
والدفاع أو المحامى ليس مجرد صوت عبر اتصال إلكترونى يرده بلا إحساس أو تفاعل مع المنصة. والقضية الجنائية ليست ملفًا رقميًا فقط أو أوراقًا مودعة ملفاً مدمجًا.
رأيى ليس رفضاً للتكنولوجيا، وإنما أين يجب أن تتوقف التكنولوجيا عندما تبدأ حقوق الدفاع والحريات الشخصية؟
وكأحد المتخصصين وعملى بالمحاماة قد قارب على الأربعين عاماً قضيتها بين أروقة المحاكم والنيابات، أؤكد أن المشكلة دائمًا ليست فيما يقوله النص، وإنما المشكلة الحقيقية فى كيفية تطبيق هذا النص وإعماله وطريقة استنباط قصد المشرع منه وظروف كل واقعة وظروف أطرافها سواء المتهمين فيها أو المجنى عليهم وما يجب أن يكون مناخ أعمال النص عند التطبيق.
فالمحاكمة الجنائية ليست مجرد نقل صورة وصوت من مكان إلى آخر عبر اتصال إلكترونى أصم، إنها مواجهة إنسانية وقانونية دقيقة، يتفاعل فيها القاضى مع المتهم، يتفرس ملامحه، يناقشه، يستمع إليه، يناقشه، يستجوبه، كل ذلك وصولاً إلى وجه الحق فى الدعوى، ناهيك عن حق المحكمة فى تفحص الشهود وكذلك الخبراء وتكوين عقيدتها عما يدلون به من معلومات أو اتهامات لأنه وباليقين ستظهر خلالها تفاصيل يستحيل على الكاميرا أو الميكروفون التعبير عنها أو نقلها لوجدان المحكمة.
نظرة المتهم، تردده، انفعاله، صمته، طريقة إجابته، تواصله المباشر مع محاميه، وطبيعة أجواء الجلسة نفسها؛ كلها عناصر قد يكون لها أثر فى تكوين الصورة الكاملة أمام المحكمة.
وهنا يثار التساؤل: هل يمكن أن تتحول المحاكمة عن بُعد من وسيلة استثنائية لتيسير العدالة إلى وسيلة روتينية لإدارة الجلسات والحكم فى الدعاوى الجنائية؟
إذا حدث ذلك، فقد نكون أمام تحول جوهرى فى فلسفة المحاكمة، من المواجهة المباشرة إلى المواجهة عبر وسيط إلكترونى.. لأنه ببساطة العدالة الجنائية لا تحتمل التجربة غير المحسوبة.
وهل سأل أحدكم نفسه مرة، ماذا يحدث إذا وقع خلل تقنى أثناء سماع شاهد؟ وماذا يحدث إذا تعذر على المحامى التواصل بصورة طبيعية مع موكله؟ وهل يمكن أن نضمن أن المتهم الموجود داخل مؤسسة عقابية يستطيع التواصل مع محاميه بالقدر نفسه من الحرية والخصوصية التى يتمتع بها المتهم الموجود داخل قاعة المحكمة؟
هذه ليست أسئلة ضد التطوير أو التكنولوجيا، وإنما هى أسئلة مع العدالة.. فالتحول الرقمى فى العدالة يجب ألا يقاس فقط بسرعة إنجاز القضايا، وإنما بقدرته على المحافظة على جوهر المحاكمة العادلة.
من ناحية أخرى ونحن على بعد أيام قليلة من التطبيق هل بدأت وزارة العدل فى تجهيز قاعات المحاكم وإطلاق منظومة التقاضى عن بُعد وتدريب القضاة والمحامين وأمناء السر استعدادًا لبدء تطبيق القانون فى 1 أكتوبر 2026.
من ناحية ثالثة بكل تأكيد أن بث هذه المحاكمات سيكون عبر شبكة الإنترنت وعلى أحد البرامج التى تسمح بذلك.. وهنا يأخذنا التفكير إلى مثل هذه الخوادم الإلكترونية والتى تتحكم فيها دول وجهات أجنبية بكل تأكيد ستكون محاكمنا على عينك يا تاجر ويستطيع أى جهاز تحليل هذه البيانات من خلال ما يدور فى هذه القضايا. 
سواء الجوانب الاقتصادية او الاجتماعية والدوافع والبواعث والآثار التى ألمت بالمجتمع المصرى، وبكل تأكيد ستخضع هذه البيانات لتحليلات، وسؤالى أين يقف هذا القانون من سرية البيانات وتداول المعلومات، وبما يضمن سلامة والحفاظ على سرية البيانات الشخصية؟.. أرجو أن تكون رسالتى وصلت.
تساؤلاتى تبحث عن إجابات، عسى أن تجد آذانًا تسمع فى يوم من الأيام، مع تخوفاتى بأن تطبيق قانون الإجراءات الجنائية بهذا الشكل سيكون واقعه كارثيًا، فغاية المشرع أكيد تحقيق العدالة ولكن التطبيق قد يحول دونها.. والله على ما اقول شهيد.

المحامى بالنقض
رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد بمجلس الشيوخ