كيف نجحت دول العالم في توسيع مظلة التأمين لتشمل المهن الحرة؟
شهد العالم المعاصر من تحول رقمي متسارع فى مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، برز أصحاب المهن الحرة بوصفهم شريحة أساسية ومحورية في بنية الاقتصاد الحديث، فقد ساهم انتشار منصات العمل عن بُعد، ونمو الاقتصاد الحر، وتطور التقنيات الرقمية في تمكين أعداد متزايدة من الأفراد من ممارسة أعمالهم بصورة مستقلة مرنة، بعيداً عن القيود التقليدية للوظائف الثابتة. غير أن هذا التحول لم يكن مجرد فرصة لتوسيع آفاق العمل وتحقيق الاستقلالية المهنية، بل حمل في طياته مجموعة من التحديات والمخاطر المستجدة التي لم تكن الأنظمة التأمينية التقليدية مهيأة للتعامل معها بكفاءة.
أصبحت المخاطر المهنية التي يواجهها أصحاب المهن الحرة أكثر تعقيداً وتنوعاً؛ إذ لم تعد تقتصر على الأخطاء المهنية أو المسؤولية القانونية تجاه العملاء، بل امتدت لتشمل انقطاع الدخل، إلى جانب ذلك، برزت المخاطر السيبرانية بوصفها تهديداً جوهرياً يلازم طبيعة عملهم الرقمي؛ فاعتمادهم المتزايد على المنصات الإلكترونية، وتبادل البيانات، والعمل عبر الشبكات المفتوحة، جعلهم عرضة لاختراق الأنظمة، وسرقة المعلومات، والهجمات الإلكترونية، وانتهاك الخصوصية، وهي مخاطر قد تؤدي إلى خسائر مالية فادحة وإضرار بسمعتهم المهنية قد يصعب تعويضها.
الأمر الذي دفع شركات التأمين إلى إعادة النظر بشكل جذري في التغطيات التأمينية المتاحة، والعمل على تطوير منتجات تأمينية مرنة وشاملة تناسب خصوصية الدخل غير المنتظم، وتستوعب المخاطر المهنية والسيبرانية المستجدة، وتوفر حماية متكاملة تضمن استمراريتهم في سوق العمل.
تجارب الدول:
الولايات المتحدة الأمريكية
تُعد الولايات المتحدة الأمريكية من أكثر الدول تقدمًا في مجال تأمين أصحاب المهن الحرة وذلك نتيجة النمو المتسارع لاقتصاد العمل الحر حيث ارتفاع أعداد اصحاب الاعمال الحرة في مجالات التكنولوجيا والتصميم والتسويق والاستشارات والخدمات المهنية المختلفة، فقد بلغ عدد العاملين المستقلين نحو 76.4 مليون شخص خلال عام 2024، بما يمثل 46% من القوى العاملة الأمريكية، ومن المتوقع أن يرتفع العدد إلى 86.5 مليون شخص بحلول عام 2027، بما يعادل 50.9% من إجمالي القوى العاملة وقد أدى هذا التوسع إلى تطوير سوق تأميني متنوع يوفر حلولًا متخصصة تتناسب مع طبيعة المخاطر التي تواجه هذه الفئة.
وتوفر شركات التأمين الأمريكية مجموعة واسعة من البرامج التأمينية المصممة خصيصًا لأصحاب المهن الحرة، ويأتي تأمين المسؤولية المهنية في مقدمتها الذي يهدف إلى حماية أصحاب المهن الحرة من المطالبات القانونية الناشئة عن الأخطاء المهنية أو الإهمال أو الإخفاق في تنفيذ الالتزامات التعاقدية، وتزداد أهمية هذه الوثيقة في المهن التي تعتمد على تقديم الاستشارات أو الخدمات المتخصصة، حيث قد يترتب على أي خطأ مهني خسائر مالية كبيرة للعملاء.
كما يحظى تأمين المسؤولية العامة بأهمية كبيرة، إذ يوفر الحماية من المطالبات المتعلقة بالأضرار المادية أو الإصابات الجسدية التي قد يتسبب فيها صاحب العمل الحر للغير أثناء أداء عمله، وإلى جانب ذلك، تتوافر تغطيات أخرى تشمل التأمين الطبى الفردي، والتأمين ضد العجز وفقدان الدخل، إلى جانب التأمين السيبرانى يوفر الحماية ضد الخسائر الناجمة عن اختراق البيانات والهجمات الإلكترونية وتسريب معلومات العملاء.
دولة الهند
اتجهت الهند إلى تطوير منتجات تأمينية مبسطة ومرنة تستهدف أصحاب المهن الحرة، بما يتناسب مع طبيعة دخولهم المتغيرة واحتياجاتهم المهنية. وشملت هذه المنتجات تغطيات في مجالات التأمينات العامة وتأمينات الحياة، مع تبسيط إجراءات الاكتتاب وسداد الأقساط وتوسيع قنوات التوزيع الرقمية، وقد ساهم ذلك في تعزيز وصول الخدمات التأمينية إلى شرائح أوسع من المهنيين وأصحاب المهن الحرة ، وزيادة مستويات الحماية المالية لديهم في مواجهة المخاطر المختلفة.
اعتمدت الهند على مجموعة من الآليات لتوسيع انتشار التأمين بين أصحاب المهن الحرة حيث تم تسويق وتوزيع المنتجات التأمينية من خلال الجمعيات المهنية والمؤسسات المالية وشبكات الوسطاء المختلفة للوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من اصحاب المهن الحرة، كما حرصت شركات التأمين على تقديم أقساط تأمينية
مرنة ومناسبة لاحتياجات هذه الفئة، بما يسهم في زيادة معدلات الاشتراك، كذلك أتاحت الشركات وثائق متنوعة تشمل تأمينات الحياة والتأمينات العامة، فضلاً عن باقات تأمينية متكاملة تجمع أكثر من نوع من التغطيات داخل وثيقة واحدة، بما يوفر حماية أشمل لأصحاب الأنشطة المهنية والمشروعات الفردية.
ومن أبرز أنواع التغطيات التي اتاحتها الهند لاستهداف هذه الفئة:
• تأمينات الحياة والادخار: توفر حماية مالية لأسرة المؤمن عليه في حالة الوفاة، كما تتيح في بعض البرامج مزايا ادخارية أو دخلًا تقاعدياً مستقبلياً.
• تأمين الحوادث والعجز: يوفر تعويضات في حالات الوفاة الناتجة عن الحوادث أو العجز الكلي أو الجزئي، بما يساعد أصحاب المهن الحرة على الحفاظ على استقرارهم المالي.
• التأمين الصحي: يغطي تكاليف العلاج والرعاية الطبية والإقامة بالمستشفيات والفحوصات الطبية، ما يقلل من الأعباء المالية الناتجة عن المشكلات الصحية.
• تأمين الممتلكات والأصول المهنية: يوفر الحماية للمعدات والأصول المستخدمة في النشاط المهني ضد مخاطر السرقة أو التلف أو الكوارث الطبيعية.
دولة كينيا
تمكنت كينيا من توسيع نطاق التغطية التأمينية لتشمل شريحة واسعة من أصحاب المهن الحرة والعاملين في القطاع غير الرسمي، الذي يمثل أكثر من 80% من القوى العاملة، وجاء ذلك من خلال طرح منتجات تأمينية مبسطة ومنخفضة التكلفة تستهدف أصحاب المشروعات والمهن الحرة، الذين كانوا لفترة طويلة خارج نطاق خدمات التأمين التقليدية.
كما ساهم التطور التكنولوجي وانتشار خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول، وعلى رأسها منصة M-Pesa في تسهيل الوصول إلى المنتجات التأمينية، حيث أصبح بإمكان أصحاب المهن الحرة شراء الوثائق وسداد الأقساط وإدارة مطالباتهم إلكترونياً دون الحاجة إلى زيارة فروع شركات التأمين، وقد مكّن ذلك الشركات من الوصول إلى المناطق الريفية والحضرية على حد سواء، وزاد من معدلات الشمول التأمينى لأصحاب المهن الحرة ويساعد على تعزيز الاستقرار المالي واستمرارية النشاط الاقتصادي.
رأي الاتحاد
يرى الاتحاد أن النمو المتسارع لاقتصاد العمل الحر، مقترناً بالتحول الرقمي الذي يشهده العالم، يفرض واقعاً جديداً على صناعة التأمين، يستوجب إعادة النظر في تطوير حلول تأمينية أكثر مرونة وابتكاراً قادرة على الاستجابة للاحتياجات المتنوعة لأصحاب المهن الحرة ومواكبة هذا التحول الجذري. فقد بات أصحاب المهن الحرة يمثلون شريحة متنامية وحيوية داخل الاقتصاد الرقمي.
ويؤكد الاتحاد أن تحقيق الشمول التأميني لهذه الفئة يستلزم تصميم منتجات متخصصة قادرة على تغطية المخاطر المهنية والسيبرانية ومخاطر فقدان الدخل وتوقف النشاط، مع الاستفادة القصوى من التقنيات الرقمية في تبسيط إجراءات الاكتتاب وإصدار الوثائق وسداد الأقساط وإدارة المطالبات. كما يرى أن نماذج التأمين الحديثة، وعلى رأسها التأمين السيبراني والتأمين حسب النشاط أو الاستخدام، تفتح آفاقاً واعدة لتقديم تغطيات أكثر ملاءمة لطبيعة العمل الحر لهذه الشريحة، بما يعزز قدرتها على الصمود أمام التحديات المتجددة.
ويشدد الاتحاد على أن تعزيز الوعي التأميني لدى أصحاب المهن الحرة يُعد ركيزة أساسية لا غنى عنها لتوسيع نطاق الحماية وزيادة معدلات انتشار التأمين بينهم. وفي ضوء التجارب الدولية الناجحة، يؤكد أن دعم الابتكار في المنتجات التأمينية وتسريع وتيرة التحول الرقمي داخل القطاع يمثلان مساراً استراتيجياً محورياً لتعزيز الشمول التأميني وضمان الاستدامة المالية لهذه الفئة المتنامية، بما يسهم في حماية استقرارها المهني والمالي، ويدعم في الوقت ذاته مسيرة الاقتصاد الوطني نحو مزيد من المرونة والشمول.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







