تأمين القروض.. المهمة الصعبة
التأمين لا يتحمل أخطاء منح التمويل.. والربط اللحظى مع «آى سكور» يعزز الرقابة
خبراء: لا انسحاب من التمويل.. وتشديد الإجراءات ضرورة
أعادت أزمة التمويلات المرتبطة بـ«جلوبال بارادايم» ملف تأمين القروض والمحافظ الائتمانية إلى دائرة النقاش، بعدما كشفت عن الحاجة إلى مزيد من الدقة فى تقييم المخاطر وتحديد المسئوليات بين شركات التمويل وشركات التأمين.
وبينما يواجه قطاع التمويل تحديات مرتبطة بجودة المحافظ وإجراءات التحقق من العملاء ومخاطر الاحتيال، يرى خبراء التأمين أن الحل لا يكمن فى الانسحاب من تأمين القروض والتمويل الاستهلاكى، وإنما فى إعادة ضبط قواعد الاكتتاب والتسعير والرقابة، حتى يتحمل كل طرف مسئوليته، ويعكس سعر التغطية مستوى الخطر الفعلى.
أكد خالد صبحى، نائب مدير عام التعويضات العامة بشركة مدى للتأمين، أن أزمة التمويلات المرتبطة بـ«جلوبال بارادايم» كشفت الحاجة إلى إعادة ضبط قواعد تأمين القروض والتمويل الاستهلاكى، وليس الانسحاب من هذا النشاط، مشدداً على ضرورة عدم تحول شركات التأمين إلى طرف يتحمل أخطاء أو أوجه قصور فى إجراءات منح التمويل.
وقال صبحى إن «التأمين لا يمكن أن يكون غطاءً لتمويل تم منحه بشكل خاطئ، أو لعميل لم يثبت أصلاً أنه وافق على التمويل»، موضحاً أن دور شركة التأمين يتمثل فى تغطية الخطر المؤمن عليه، وليس تحمل أخطاء التشغيل والرقابة لدى شركة التمويل.
وأشار إلى أن شركات التأمين مطالبة، قبل قبول أى محفظة ائتمانية، بفحص جودة المحفظة وليس حجمها فقط، والتأكد من قوة إجراءات «اعرف عميلك» (KYC)، والتحقق من هوية العملاء، وسلامة المستندات، ومعدلات التعثر والتحصيل، فضلاً عن دراسة مدى تركّز المحفظة لدى مقدم خدمة أو تاجر بعينه.
وأوضح أن النظر إلى شركة التمويل وحدها لم يعد كافياً، إذ يجب أن تمتد عملية تقييم الخطر إلى مقدم الخدمة الذى نشأ من خلاله التمويل، خصوصاً فى التمويلات المرتبطة بقطاعات التعليم والصحة والسياحة وغيرها من الخدمات.
وشدد صبحى على ضرورة إعادة النظر فى شروط وثائق تأمين القروض، بحيث يكون واضحاً منذ البداية ما هو الخطر المؤمن عليه، ومن يتحمل خسائر الاحتيال، ومن يتحمل مسئولية مخالفة سياسة الائتمان، مؤكداً أنه لا يمكن ترك هذه الأسئلة إلى وقت وقوع المطالبة.
وأضاف أن شركات التأمين مطالبة بتطبيق حدود للتركز على مستوى العملاء ومقدمى الخدمات، وإجراء مراجعات دورية للمحافظ المؤمن عليها، بدلاً من الاكتفاء بإصدار الوثيقة وانتظار وقوع التعثر.
وفيما يتعلق بالتسعير، أكد أن «تسعير تأمين القروض يجب أن يعكس جودة الخطر، وليس مجرد قيمة التمويلات»، مع ضرورة الاعتماد بصورة أكبر على معدلات التعثر والتحصيل، وجودة العملاء، وطبيعة التمويل، ومخاطر الاحتيال، ومستوى الحوكمة والرقابة لدى شركة التمويل.
وأضاف أن أزمة «جلوبال بارادايم» يجب ألا تكون سبباً لخروج التأمين من سوق التمويل الاستهلاكى، وإنما نقطة تحول نحو اكتتاب أكثر تشدداً، قائلاً: «نحن لا نحتاج إلى تأمين أقل، بل إلى تأمين أكثر دقة، لأن الخطر السيئ لا يصبح خطراً جيداً بمجرد وضع وثيقة تأمين عليه».
ومن جانبها، أكدت نهى سلامة، خبيرة التأمين، أن أزمة «جلوبال بارادايم» كشفت خللاً جوهرياً فى فهم طبيعة تأمين المحافظ الائتمانية، موضحة أن القضية لا تكمن فى منتج التأمين ذاته، وإنما فى آليات منحه والقواعد الفنية التى تحكم قبول المحافظ الائتمانية.
وقالت سلامة إن شركة التأمين لا يمكن أن تتحول إلى جهة تعوض عن أخطاء التشغيل والرقابة لدى شركة التمويل، مثل القصور فى إجراءات «اعرف عميلك» (KYC)، أو ضعف التحقق من المستندات، أو تجاوزات منح الائتمان، أو مخاطر الاحتيال.
وشددت على أن القبول الفنى لأى محفظة ائتمانية يجب أن يسبقه تقييم دقيق لجودة العملاء، ونسب التعثر والتحصيل، وسلامة إجراءات منح التمويل، إلى جانب دراسة مقدم الخدمة «ORIGINATOR» الذى نشأت من خلاله التمويلات، بهدف الفصل بين مخاطر الائتمان القابلة للتأمين ومخاطر سوء الإدارة التى يجب استثناؤها من التغطية.
وأوضحت أن معالجة الأزمة لا تعنى إلغاء تأمين القروض والتمويل الاستهلاكى، وإنما تستوجب إعادة ضبط فنية شاملة لقواعد الاكتتاب والتسعير، بحيث يعكس السعر مستوى الخطر الفعلى وفق مفهوم «RISK-BASED PRICING»، وليس مجرد قيمة التمويلات.
وأضافت أن المرحلة المقبلة تتطلب وضع هيكل واضح لتوزيع المسئوليات، يتضمن نسبة تحمل إلزامية على شركة التمويل، إلى جانب تحديد دقيق لنطاق التغطية والاستثناءات المتعلقة بالاحتيال وسوء منح الائتمان، بما يضمن حماية ملاءة شركات التأمين واستدامة نشاط التمويل فى الوقت نفسه.
سلامة: دور رقابى محورى للهيئة العامة للرقابة المالية فى احتواء الأزمة
وأشادت سلامة بالدور المحورى للهيئة العامة للرقابة المالية فى التعامل مع الأزمة، مشيرة إلى ما وصفته بـ«التعامل الذكى والسريع» مع تداعياتها، بقيادة الدكتور إسلام عزام، رئيس الهيئة، وجلى فى سرعة التوجيه باحتواء التداعيات ووضع حلول جذرية وليست مسكنة.
وأوضحت أن هذا التحرك توج بإصدار الهيئة أول دليل شامل للقواعد المنظمة لشركات التمويل الاستهلاكى، معتبرة أن الدليل عكس رؤية فنية وسرعة استجابة، من خلال وضع معايير ملزمة للحوكمة، وسلامة إجراءات منح التمويل والتحصيل، وقواعد «اعرف عميلك» (KYC)، ومكافحة الاحتيال، وآليات الإفصاح عن جودة المحافظ، بما يرسخ مبدأ الفصل بين مسئولية الممول ومسئولية المؤمن.
الربط اللحظى مع «آى سكور».. حجر الزاوية فى الإصلاح
أضافت سلامة أن قرار الهيئة الأخير بالربط اللحظى يمثل حجر الزاوية فى هذا الإصلاح، موضحة أنه بموجب القرارين رقمى 174 و175 لسنة 2026، ألزمت الهيئة شركات التمويل الاستهلاكى وتمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر بالربط اللحظى مع شركة الاستعلام الائتمانى «آى سكور».
وأشارت إلى أن القرار يلزم بالإبلاغ بشكل لحظى عن مختلف مراحل التمويل، بدءاً من الموافقة والصرف، مروراً بالسداد، حتى إنهاء التمويل واتخاذ الإجراءات القانونية، مع إتمام عملية الربط خلال 3 أشهر.
وأكدت أن هذا القرار يمثل ضمانة رقابية مهمة لمنع تكرار أزمة «جلوبال بارادايم»، من خلال تحديث البيانات الائتمانية بسرعة ودقة، والكشف المبكر عن أى خلل فى جودة المحافظ أو تجاوز فى منح التمويل، بما يحد من فرص التعثر ويحمى حقوق العملاء.
كما أشارت إلى أن الربط اللحظى يسهم فى رفع الكفاءة التشغيلية وتعزيز سلامة المراكز المالية، من خلال توفير بيانات أكثر دقة وحداثة عن العملاء والتمويلات القائمة.
فرصة لتعزيز الانضباط المؤسسى واستقرار التمويل غير المصرفي
وأكدت خبيرة التأمين أن هذه الإجراءات تمثل خطوة مهمة نحو بناء منظومة أكثر انضباطاً فى سوق التمويل غير المصرفى، من خلال تعزيز الحوكمة والرقابة ورفع جودة البيانات الائتمانية، بما يحقق توازناً بين حماية شركات التأمين وشركات التمويل وحقوق العملاء.
وأضافت أن هذا الجهد يأتى فى إطار جهود الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى، مشيرة إلى أن سرعة التوجيه وحسم التعامل مع الأزمات التى تمس استقرار الأسواق وحقوق المواطنين أسهما فى تحويل تداعيات «جلوبال بارادايم» من تهديد محتمل للثقة إلى فرصة لتعزيز الانضباط المؤسسى.
واختتمت سلامة بتأكيد أهمية استمرار تطوير منظومة التمويل غير المصرفى، بما يضمن بناء سوق قوى وآمن وعادل، يحمى المواطن والمؤسسات فى الوقت نفسه، ويعزز الثقة فى قطاع التمويل والتأمين.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض