تفسير سورة النساء.. المعنى الأوسع للجهاد ومَنزلة المجاهدين عند الله
تفسير سورة النساء يفتح في الآية الخامسة والتسعين منها بابًا واسعًا لفهم معنى الجهاد والتفاضل بين المؤمنين، ويوضح الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن الجهاد في سبيل الله لا يقتصر على القتال، وإنما يمتد إلى مجاهدة النفس والبذل والعمل والمشاركة الإيجابية في المجتمع، مؤكدًا أن التفاضل عند الله سبحانه وتعالى لا يخضع لمقاييس الدنيا ودرجات البشر.
علي جمعة يفسر قوله تعالى: «لا يستوي القاعدون من المؤمنين»
قال الدكتور علي جمعة، في حديثه عن تفسير سورة النساء والآية الخامسة والتسعين منها: إن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 95].
وأوضح أن الآية الكريمة تتحدث عن التفاضل بين أهل الإيمان، مبينًا أن هذا التفاضل عند الله سبحانه وتعالى ليس كدرجات الدنيا ولا يخضع للمقاييس التي يضعها البشر، وإنما يتعلق بالمنزلة والأجر وما يقدمه الإنسان من بذل وتضحية في سبيل الله.
التفاضل عند الله لا يُقاس بمقاييس الدنيا
وأشار علي جمعة إلى أن قول الله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ يشير إلى منزلة عظيمة لا يصح أن تُفهم بالضرورة على أنها درجة وفق التصور الدنيوي المعتاد، مؤكدًا أن مقاييس الله سبحانه وتعالى تختلف عن مقاييس البشر.
ولفت إلى أن القرآن الكريم نفسه يبين أن الزمن والأحوال لا تسير وفق مقياس واحد، فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾، وقال في موضع آخر: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، وهو ما يفتح باب التأمل في تفاوت المقاييس والأحوال عند الله سبحانه وتعالى.
الجهاد أوسع من القتال
وبيّن مفتي الجمهورية السابق أن مفهوم الجهاد أوسع من مجرد القتال، موضحًا أن القتال في سبيل الله يمثل صورة من صور الجهاد، لكنه ليس المعنى الوحيد له، إذ يدخل فيه كذلك جهاد النفس، والبذل، والعمل، وتحمل المشقة، والمشاركة في بناء المجتمع وعمارة الأرض.
وأكد أن الإنسان قد يجاهد نفسه في مواجهة الكسل والهوى والرغبة في الراحة، وقد يجاهد ببذل ماله أو وقته أو جهده في سبيل الخير، مشيرًا إلى أن جهاد النفس يلازم الإنسان طوال حياته، ولذلك فهو أوسع زمنًا من جهاد القتال.
المشاركة الإيجابية في المجتمع نوع من المجاهدة
وأوضح علي جمعة أن المشاركة الإيجابية في المجتمع يمكن أن تكون نوعًا من المجاهدة؛ لأنها تتطلب من الإنسان بذلًا وتضحية وصبرًا وتحملًا، خاصة عندما يواجه أذى الناس أو اختلاف طباعهم، مشيرًا إلى أن بعض الأشخاص قد يختارون العزلة وترك المشاركة رغم قدرتهم على النفع والعمل.
وأضاف أن المؤمن الذي يخالط الناس، ويتحمل أذاهم، ويصبر عليهم، ويقوم بواجبه في حسن البلاغ والمشاركة الفاعلة، يكون أرفع منزلة ممن يعتزل الناس طلبًا للراحة، طالما كان ذلك المخالط يؤدي واجبه ويبتغي وجه الله سبحانه وتعالى.
جهاد النفس مستمر طوال حياة الإنسان
وتطرق الدكتور علي جمعة إلى جهاد النفس، موضحًا أنه ليس عملًا مؤقتًا ينتهي بانتهاء موقف معين، وإنما هو مجاهدة مستمرة ترافق الإنسان طوال حياته، في مواجهة الهوى والكسل وحب الراحة والرغبة في الانصراف عن الواجبات.
وأكد أن الإنسان يحتاج في كل مرحلة من مراحل حياته إلى مقاومة ما يدفعه إلى التقاعس عن الخير، وأن الاستمرار في العمل الصالح وتحمل المشقة في سبيل أداء الواجب من صور البذل التي ترفع منزلة الإنسان عند الله سبحانه وتعالى.
الدفاع عن الأوطان من صور البذل في سبيل الله
وأشار إلى أن الدفاع عن الأوطان ودفع العدوان وصيانة حرمات البلاد والعباد من الأعمال العظيمة، موضحًا أنها تندرج ضمن المعنى الأوسع للجهاد والبذل في سبيل الله، وأن الجهاد لا ينبغي اختزاله في صورة واحدة دون النظر إلى دلالاته الأوسع.
وأوضح أن البذل قد يكون بالنفس، وقد يكون بالمال، وقد يكون بالجهد والعمل، وقد يكون بتحمل المشقة في طريق الخير والإصلاح، وكل ذلك بحسب المجال الذي يقوم فيه الإنسان بواجبه المشروع.
«وكُلًّا وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى».. رحمة بالقاعدين وترغيب في العمل
ولفت علي جمعة إلى دلالة قول الله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، مبينًا أن الآية لا تجعل القاعد المؤمن بمجرد قعوده في مرتبة من ارتكب منكرًا، وإنما تبين أن الله سبحانه وتعالى وعد الجميع بالحسنى، مع فتح الباب أمام المؤمن للانتقال إلى منزلة أعلى من المشاركة والعمل والبذل.
وأوضح أن هذا المعنى يحمل ترغيبًا في العمل والمشاركة وعدم الاستسلام للراحة، كما يواسي كل من يعمل في الدعوة إلى الخير أو يسعى إلى الإصلاح ويواجه في سبيل ذلك أذى الناس ومشقتهم، مؤكدًا أن المشقة لا ينبغي أن تدفع الإنسان إلى الانسحاب، وإنما يستحضر أن ما يبذله اليوم هو مما يبني به منزلته في الآخرة.
المؤمن ينظر إلى الدنيا باعتبارها طريقًا للآخرة
وأكد مفتي الجمهورية السابق أن المؤمن لا ينبغي أن يجعل غايته من العمل مجرد تحقيق منفعة دنيوية أو الوصول إلى الراحة والمتعة، وإنما ينظر إلى الحياة الدنيا باعتبارها جسرًا يعبر من خلاله إلى الحياة الآخرة، التي وصفها الله سبحانه وتعالى بأنها الأبقى.
ومن هنا، فإن بذل الإنسان وقته وجهده وماله في الخير لا يكون ضائعًا، حتى وإن لم يرَ ثماره بصورة مباشرة في الدنيا، لأن المؤمن ينظر إلى ما عند الله سبحانه وتعالى باعتباره الغاية الأسمى والأبقى.
«أجرًا عظيمًا».. باب واسع للأجر بحسب الإخلاص
وأوضح علي جمعة أن ختام الآية الكريمة: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يفتح بابًا واسعًا للأجر، وأن نصيب الإنسان من هذا الأجر يكون بحسب إخلاصه وصدق قصده وبذله في سبيل الله.
وأشار إلى أن النية تمثل ميزانًا عظيمًا في تفاوت الأجور، فكلما كانت نية الإنسان خالصة لله سبحانه وتعالى، وبعيدة عن شوائب الدنيا والخوف والتردد والكسل، عظم أجره وارتفعت منزلته.
ويكشف تفسير سورة النساء في هذه الآية أن قيمة العمل لا تنفصل عن النية التي تحرك صاحبها، وأن البذل الحقيقي ليس مجرد حركة ظاهرة، وإنما يرتبط بصدق القصد والإخلاص لله سبحانه وتعالى، وهو ما يجعل الأعمال متفاوتة في الأجر والمنزلة وإن تشابهت في ظاهرها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

